تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
والمقصود بالجملة الكريمة * ( واضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ) * إرشاد موسى إلى ما يدخل الطمأنينة على قلبه ، ويزيل خوفه . والمعنى : افعل يا موسى ما أمرناك به ، فإذا أفزعك أمر يدك وما تراه من بياضها وشعاعها ، فأدخلها في فتحة ثوبك ، تعد إلى حالتها الأولى . وإذا انتابك خوف عند معاينة الحية ، فاضمم يدك إلى صدرك ، يذهب عنك الخوف . قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما معنى قوله : * ( واضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ) * ؟ قلت : فيه معنيان ، أحدهما : أن موسى - عليه السلام - لما قلب اللَّه العصا حية فزع واضطرب ، فاتقاها بيده ، كما يفعل الخائف من الشيء ، فقيل له : إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة - أي منقصة - عند الأعداء فإذا ألقيتها فعند ما تنقلب حية ، فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران : اجتناب ما هو غضاضة عليك ، وإظهار معجزة أخرى . والثاني : أن يراد بضم جناحه إليه ، تجلده وضبط نفسه ، وتشدده عند انقلاب العصا حية ، حتى لا يضطرب ولا يرهب . . . « 1 » . واسم الإشارة في قوله ، فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه . . يعود إلى العصا واليد . والتذكير لمراعاة الخبر وهو * ( بُرْهانانِ ) * والبرهان : الحجة الواضحة النيرة التي تلجم الخصم ، وتجعله لا يستطيع معارضتها . أي : فهاتان المعجزتان اللتان أعطيناك إياهما يا موسى ، وهما العصا واليد ، حجتان واضحتان كائنتان * ( مِنْ رَبِّكَ ) * فاذهب بهما إلى * ( فِرْعَوْنَ ومَلَائِه ) * لكي تبلغهم رسالتنا ، وتأمرهم بإخلاص العبادة لنا . * ( إِنَّهُمْ ) * أي : فرعون وملئه * ( كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ) * أي : خارجين من الطاعة إلى المعصية . ومن الحق إلى الباطل . وهنا تذكر موسى ما كان بينه وبين فرعون وقومه من عداوة ، فقال : * ( رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ) * إذا ذهبت إليهم بهذه الآيات . وهو عليه السلام - لا يقول ذلك ، هروبا من تبليغ رسالة اللَّه - تعالى - وإنما ليستعين برعايته - عز وجل - وبحفظه . عندما يذهب إلى هؤلاء الأقوام الفاسقين . ثم أضاف إلى ذلك قوله : * ( وأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً ) * أي هو أقدر منى على المدافعة عن الدعوة وعلى تبيان الحق وتوضيحه .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 408 .