تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
موسى وهارون * ( لَنا عابِدُونَ ) * أي : مسخرون خاضعون منقادون لنا كما ينقاد الخادم لمخدومه . فأنت ترى أن فرعون وملأه ، قد أعرضوا عن دعوة موسى وهارون ، لأنهما - أولا - بشر مثلهم ، والبشرية - في زعمهم الفاسد - تتنافى مع الرسالة والنبوة ، ولأنهما - ثانيا - من قوم بمنزلة الخدم لفرعون وحاشيته ، ولا يليق - في طبعهم المغرور - أن يتبع فرعون وحاشيته من كان من هؤلاء القوم المستضعفين . قال الآلوسي : « وقوله : * ( فَقالُوا ) * عطف على * ( فَاسْتَكْبَرُوا ) * وما بينهما اعتراض مقرر للاستكبار ، والمراد : فقالوا فيما بينهم . . وثنى البشر لأنه يطلق على الواحد كقوله - تعالى - بَشَراً سَوِيًّا وعلى الجمع ، كما في قوله : - تعالى - فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً . . ولم يثن مثل نظرا إلى كونه في حكم المصدر ، ولو أفرد البشر لصح ، لأنه اسم جنس يطلق على الواحد وغيره ، وكذا لو ثنى المثل ، فإنه جاء مثنى في قوله : يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ « 1 » ومجموعا كما في قوله : . . . ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ « 2 » . وهذه القصص - كما ترى - تدل على أن مدار شبه المنكرين للنبوة ، قياس حال الأنبياء على أحوالهم ، بناء على جهلهم بتفاصيل شؤون الحقيقة البشرية ، وتباين طبقات أفرادها في مراقي الكمال . . ومن عجب أنهم لم يرضوا للنبوة ببشر ، وقد رضى أكثرهم للإلهية بحجر . . » « 3 » . ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة فرعون وملئه فقال : * ( فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ . ) * أي : فكذب فرعون وأتباعه موسى وهارون - عليهما السلام - فيما جاءا به من عند ربهما - عز وجل - فكانت نتيجة هذا التكذيب أن أغرقنا فرعون ومن معه جميعا . ثم بين - سبحانه - ما أعطاه لموسى بعد هلاك فرعون وقومه فقال : * ( ولَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ . ) * والضمير في قوله - تعالى - * ( لَعَلَّهُمْ ) * يعود إلى قوم موسى من بني إسرائيل . لأنه من المعروف أن التوراة أنزلت على موسى بعد هلاك فرعون وملئه . . أي : ولقد آتينا موسى - بفضلنا وكرمنا - الكتاب المشتمل على الهداية والإرشاد ، وهو التوراة ، * ( لَعَلَّهُمْ ) * أي : بني إسرائيل * ( يَهْتَدُونَ ) * إلى الصراط المستقيم ، بسبب اتباعهم لتعاليمه ، وتمسكهم بأحكامه . فالترجى في قوله * ( لَعَلَّهُمْ ) * إنما هو بالنسبة لهم .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران الآية 13 . ( 2 ) سورة محمد الآية 38 . ( 3 ) تفسير الآلوسي ج 18 ص 36 .