تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
وفي الكلام حذف يفهم من السياق ، وتقتضيه بلاغة القرآن الكريم والتقدير : وهيأت ملكة سبأ الهدية الثمينة لسليمان - عليه السلام - . وأرسلتها مع من اختارتهم من قومها لهذه المهمة ، فلما جاء سليمان ، أي : فلما وصل الرسل إلى سليمان ومعهم هدية ملكتهم إليه . فلما رآها قال - على سبيل الإنكار والاستخفاف بتلك الهدية - : * ( أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ ) * أي : أتقدمون إلى هذا المال الزائل والمتمثل في تلك الهدية لأكف عن دعوتكم إلى إتيانى وأنتم مخلصون العبادة للَّه - تعالى - وحده . وتاركون لعبادة غيره ؟ كلا لن ألتفت إلى هديتكم * ( فَما آتانِيَ اللَّه ) * من النبوة والملك الواسع * ( خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ ) * من أموال من جملتها تلك الهدية . فالجملة الكريمة تعليل لإنكاره لهديتهم ، ولاستخفافه بها ، وسخريته منها . وقوله - سبحانه - : * ( بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ) * إضراب عما ذكره من إنكاره لتلك الهدية وتعليله لهذا الإنكار ، إلى بيان ما هم عليه من ضيق في التفكير ، حيث أوهموا أن هذه الهدية ، قد تفيد في صرف سليمان عن دعوتهم إلى وحدانية اللَّه - تعالى - ، وقد تحمله على تركهم وشأنهم . أي : افهموا - أيها الرسل - وقولوا لمن أرسلكم بتلك الهدية : إن سليمان ما آتاه اللَّه من خير ، أفضل مما آتاكم ، وإنه يقول لكم جميعا : انتفعوا أنتم بهديتكم وافرحوا بها ، لأنكم لا تفكرون إلا في متع الحياة الدنيا ، أما أنا ففي غنى عن هداياكم ولا يهمني إلا إيمانكم . ثم أتبع سليمان - عليه السلام - هذا الاستنكار بالتهديد فقال : - كما حكى القرآن عنه - : * ( ارْجِعْ إِلَيْهِمْ . ) * أي : قال سليمان لمن أرسلته بلقيس بالهدية : عد من حيث أتيت ومعك هديتك . * ( فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها ) * أي : فو اللَّه لنأتينهم بجنود لا قدرة لهم على مقاومتهم ، ولا طاقة لهم على قتالهم . * ( ولَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وهُمْ صاغِرُونَ ) * أي : وو اللَّه لنخرجن هذه الملكة وقومها من بلاد سبأ ، حالة كونهم أذلة ، وحالة كونهم مهزومين مقهورين ، بعد أن كانوا في عزة وقوة . وعاد الرسل بهديتهم إلى الملكة ، دون أن يهتم القرآن بما جرى لهم بعد ذلك ، لأن القرآن لا يهتم إلا بالجوهر واللباب فيما يقصه من أحداث . ثم يحكى القرآن بعد ذلك ما طلبه سليمان - عليه السلام - من جنوده فيقول :
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 324 | سيد محمد طنطاوي