تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
والأيكة : منطقة مليئة بالأشجار ، كانت - في الغالب - بين الحجاز وفلسطين حول خليج العقبة ، ولعلها المنطقة التي تسمى بمعان . وشعيب ينتهى نسبه إلى إبراهيم - عليهما السلام - وكان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إذا ذكر شعيبا قال : « ذلك خطيب الأنبياء » لحسن مراجعته لقومه ، وقوة حجته . وكان قومه أهل كفر وبخس للمكيال والميزان ، وقطع الطريق ، فدعاهم إلى وحدانية اللَّه - تعالى - وإلى مكارم الأخلاق . قال ابن كثير : « هؤلاء - أعنى أصحاب الأيكة - هم أهل مدين على الصحيح ، وكان نبي اللَّه شعيب من أنفسهم وإنما لم يقل ها هنا : أخوهم شعيب ، لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة وهي شجرة . وقيل شجر ملتف كالغيضة . كانوا يعبدونها ، فلهذا لما قال : كذب أصحاب الأيكة المرسلين ، لم يقل : إذ قال لهم أخوهم شعيب ، وإنما قال : * ( إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ ) * فقطع نسبة الأخوة بينهم ، للمعنى الذي نسبوا إليه ، وإن كان أخاهم نسبا ، ومن الناس من لم يتفطن لهذه النكتة ، فظن أن أصحاب الأيكة غير أهل مدين ، فزعم أن شعيبا - عليه السلام - بعثه اللَّه إلى أمتين . . . والصحيح أنهم أمة واحدة وصفوا في كل مقام بشيء ، ولهذا وعظ هؤلاء وأمرهم بوفاء المكيال والميزان ، كما في قصة مدين سواء بسواء . . » « 1 » . وقد افتتح شعيب - عليه السلام - دعوته لقومه . بأمرهم بتقوى اللَّه - تعالى - وببيان أنه أمين في تبليغهم ما أمره اللَّه بتبليغه إليهم ، وبمصارحتهم بأنه لا يسألهم أجرا على دعوته إياهم إلى ما يسعدهم . ثم نهاهم عن أفحش الرذائل التي كانت منتشرة فيهم فقال لهم : * ( أَوْفُوا الْكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ . وزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ . ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ولا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ، واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ والْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ . . . ) * والجبلة : الجماعة الكثيرة من الناس الذين كانوا من قبل قوم شعيب . والمقصود بهم أولئك الذين كانوا ذوى قوة كأنها الجبال في صلابتها ، كقوم هود وأمثالهم ممن اغتروا بقوتهم ، فأخذهم اللَّه أخذ عزيز مقتدر . قال القرطبي : وقوله : * ( واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ والْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ . ) * الجبلة : هي الخليقة . ويقال : جبل فلان على كذا ، أي : خلق ، فالخلق جبلة وجبلة -
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 168 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 275 | سيد محمد طنطاوي