تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
قلت الأولى لابتداء الغاية ، والثانية للتبعيض ، والثالثة للبيان ، أو الأوليان للابتداء . والآخرة للتبعيض . فإن قلت : ما معنى « من جبال فيها من برد » ؟ قلت : فيه معنيان : أحدهما : أن يخلق اللَّه في السماء جبال برد . كما في الأرض جبال حجر ، والثاني : أن يريد الكثرة بذكر الجبال ، كما يقال : فلان يملك جبالا من ذهب « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( فَيُصِيبُ بِه مَنْ يَشاءُ ويَصْرِفُه عَنْ مَنْ يَشاءُ ) * أي : فيصيب بالذي ينزله من هذا البرد من يشاء إصابته من عباده ، ويصرفه عمن يشاء صرفه عنهم ، إذ الإصابة والصرف بمقتضى حكمته وإرادته . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( يَكادُ سَنا بَرْقِه يَذْهَبُ بِالأَبْصارِ . ) * والسنا : شدة الضوء . يقال : سنا الشيء يسنو سنا ، إذا أضاء . أي : يكاد ضوء برق السحاب الموصوف بما مر من الإزجاء والتأليف والتراكم . . يخطف الأبصار من شدة إضاءته ، وزيادة لمعانه وسرعة توهجه . وبعد أن ساق - سبحانه - هذا الدليل العلوي على وحدانيته وقدرته . أتبعه بدليل زمنى يحسه الناس ويشاهدونه في حياتهم فقال : * ( يُقَلِّبُ اللَّه اللَّيْلَ والنَّهارَ ) * أي : يعاقب بينهما فيأتي بهذا ، ويذهب بذاك ، وينقص أحدهما ويزيد في الآخر ، ويجعل أولهما وقتا لحلول نعمه والثاني لنزول نقمه ، أو العكس ، فهو - سبحانه - صاحبهما والمتصرف فيها « إن في ذلك » التقليب والإزجاء والتأليف ، وغير ذلك من مظاهر قدرته المبثوثة في الآفاق « لآيات » عظيمة « لأولى الأبصار » التي تبصر قدرة اللَّه - تعالى - وتعتبر بها ، فتخلص له العبادة والطاعة . ثم ساق - سبحانه - دليلا ثالثا من واقع خلق كل دابة ، وبديع صنعه فيما خلقه فقال : * ( واللَّه خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ . . . ) * والدابة : اسم لكل حيوان ذي روح ، سواء أكان من العقلاء أم من غيرهم . وهذا اللفظ مأخوذ من الدبيب ، بمعنى المشي الخفيف . وتطلق الدابة في العرف على ذوات الأربع ، والمراد بها هنا ما هو أعم من ذلك . قال بعض العلماء : « وهذه الحقيقة الضخمة التي يعرضها القرآن بهذه البساطة ، حقيقة أن كل دابة خلقت من ماء ، قد تعنى وحدة العنصر الأساسي في تركيب الأحياء جميعا ، وهو
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 246 .