مرضيا عندك في أقواله وأفعاله وسائر تصرفاته .
ففي هاتين الآيتين نرى زكريا يجتهد في الدعاء بأن يرزقه اللَّه الولد ، لا من أجل شهوة دنيوية ، وإنما من أجل مصلحة الدين والخوف من تضييعه وتبديله والحرص على من يرثه في علمه ونبوته ، ويكون مرضيا عنده - عز وجل - .
قال الآلوسي ما ملخصه : « وقوله * ( مِنْ وَرائِي ) * المراد به من بعد موتى ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف ينساق إليه الذهن أي : خفت فعل الموالي من ورائي أو جور الموالي . وهم عصبة الرجل . . وكانوا على سائر الأقوال شرار بني إسرائيل ، فخاف أن لا يحسنوا خلافته في أمته » « 1 » .
وفي قوله * ( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ) * اعتراف عميق بقدرة اللَّه - تعالى - لأن مثل هذا العطاء لا يرجى إلا منه - عز وجل - ، بعد أن تقدمت بزكريا السن ، وبعد أن عهد من زوجه العقم وعدم الولادة .
وقد أشار - سبحانه - في آية أخرى إلى أنه أزال عنها العقم وأصلحها للولادة فقال :
وزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّه رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ فَاسْتَجَبْنا لَه ووَهَبْنا لَه يَحْيى وأَصْلَحْنا لَه زَوْجَه . . . « 2 » أي : وجعلناها صالحة للولادة بعد أن كانت عقيما من حين شبابها إلى شيبها . .
والمراد بالوراثة في قوله * ( يَرِثُنِي ) * وراثة العلم والنبوة والصفات الحميدة .
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : « وقوله : * ( وإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي ) * قرأ الأكثرون بنصب الياء من الموالي على أنه مفعول ، وعن الكسائي أنه سكن الياء . .
ووجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفا سيئا . فسأل اللَّه ولدا يكون نبيا من بعده ليسوسهم بنبوته . . لا أنه خشي من وراثتهم له ماله . فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدرا من أن يشفق على ماله إلى هذا الحد ، وأن يأنف من وراثة عصبته له ، ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم .
وقد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « لا نورث ما تركنا صدقة » وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث » .
وعلى هذا فتعين حمل قوله * ( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي ) * على ميراث النبوة ولهذا قال : * ( ويَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) * كقوله : ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ أي : في النبوة ، إذ
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 16 ص 61 .
( 2 ) سورة الأنبياء الآيتان 89 ، 90 .