تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
وقولهم هذا إنما هو اعتذار عن جهلهم ، بمعرفة تفسير رؤيا الملك ، ويبدو أن الملك كان يتوقع منهم هذا الجهل ، كما يشعر به قوله - تعالى - * ( إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ ) * فقد أتى بأن المفيدة للشك . قال صاحب الكشاف : « فإن قلت : ما هو إلا حلم واحد فلما ذا قالوا أضغاث أحلام فجمعوا ! ؟ . قلت : هو كما تقول فلان يركب الخيل ، ويلبس عمائم الخز ، لمن لا يركب إلا فرسا واحدا وماله إلا عمامة فردة ، تزيدا في الوصف ، فهؤلاء أيضا تزيدوا في وصف الحلم بالبطلان فجعلوه أضغاث أحلام ويجوز أن يكون قد قص عليهم مع هذه الرؤيا سواها » « 1 » . ثم بين - سبحانه - ما حدث بعد أن عجز الملأ من قوم الملك عن تأويل رؤياه فقال : * ( وقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما ) * أي : وقال أحد الرجلين اللذين كانا مع يوسف في السجن ثم خرج منه بريئا وهو ساقى الملك . * ( وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ) * : وتذكر بعد حين طويل من الزمان كيف فسر له يوسف رؤياه تفسيرا صادقا أيام أن كان معه في السجن . وأصل « ادكر » اذتكر بوزن افتعل ، مأخوذ من الذكر - بتشديد الذال وضمها - قلبت تاء الافتعال دالا لثقلها ولتقارب مخرجيهما ، ثم قلبت الذال دالا ليتأتى إدغامها في الدال ، لأنها أخف من الذال . والأمة : الجماعة التي تؤم وتقصد لأمر ما ، والمراد بها هنا : المدة المتطاولة من الزمان وكان هذا الساقي قد نسي ما أوصاه به يوسف من قوله « اذكرني عند ربك » فلما قال الملك ما قاله بشأن رؤياه ، تذكر هذا الساقي حال يوسف . قالوا : وكان ذلك بعد سنتين من خروجه من السجن . وقوله * ( أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِه فَأَرْسِلُونِ ) * أي : قال الساقي للملك وحاشيته : أنا أخبركم بتأويله : بتفسير رؤيا الملك التي خفى تفسيرها على الملأ من قومه . فأرسلون ، أي : فابعثوني إلى من عنده العلم الصحيح الصادق بتفسيرها . ولم يذكر لهم اسم المرسل إليه ، وهو يوسف - عليه السلام - لأنه أراد أن يفاجئهم بخبره بعد حصول تأويله للرؤيا ، فيكون ذلك أوقع في قلوبهم ، وأسمى لشأن يوسف - عليه السلام - .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 324 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 369 | سيد محمد طنطاوي