تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
يخلق السماوات والأرض وما بينهما في لمحة ولحظة ، فخلقهن في ستة أيام تعليما لخلقه التثبت والتأنى في الأمور « « 1 » . وقوله : * ( ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ) * قال الشيخ القاسمي : ورد الاستواء على معان اشترك لفظه فيها ، فجاء بمعنى الاستقرار ، ومنه اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وبمعنى القصد ومنه ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وهِيَ دُخانٌ وكل من فرغ من أمر وقصد لغيره فقد استوى له وإليه . قال الفراء : تقول العرب استوى إلى يخاصمني أي : قصد لي وأقبل على . ويأتي بمعنى الاستيلاء .
قال الشاعر : قد استوى بشر على العراق
ويأتي بمعنى العلو ومنه هذه الآية .
قال البخاري في آخر صحيحه في كتاب الرد على الجهمية في باب قوله - تعالى - : وكانَ عَرْشُه عَلَى الْماءِ . قال مجاهد : استوى وعلا على العرش . وقال ابن راهويه : سمعت غير واحد من المفسرين يقول : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى أي : علا وارتفع « 2 » . وعرش اللَّه - كما قال الراغب - مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم ، وليس كما تذهب إليه أوهام العامة ، فإنه لو كان كذلك لكان حاملا له - تعالى اللَّه عن ذلك - لا محمولا . وقد ذكر العرش في إحدى وعشرين آية . وذكر الاستواء على العرش في سبع آيات . أما الاستواء على العرش فذهب سلف الأمة إلى أنه صفة اللَّه - تعالى - بلا كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل لاستحالة اتصافه - سبحانه - بصفات المحدثين ، ولوجوب تنزيهه عما لا يليق به « ليس كمثله شيء وهو السميع البصير » وأنه يجب الإيمان بها كما وردت وتفويض العلم بحقيقتها إليه - تعالى - . فعن أم سلمة - رضى اللَّه عنها - في تفسير قوله - تعالى - : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى أنها قالت : الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، والإقرار به من الإيمان ، والجحود به كفر . وقال الإمام مالك : الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة .
هامش
( 1 ) تفسير فتح البيان للشيخ صديق حسن خان ج 2 ص 342 . ( 2 ) تفسير القاسمي ج 7 ص 2802 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 284 | سيد محمد طنطاوي