تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
وفرادى قيل هو جمع فرد ، وفريد وقيل : هو اسم جمع لأن فردا لا يجمع على فرادى وقول من قال إنه جمع : أراد أنه جمع له في المعنى : وهذه الجملة الكريمة مستأنفة جاءت لبيان ما سيقوله اللَّه لهؤلاء الظالمين يوم القيامة ، بعد بيان ما تقوله ملائكة العذاب عند موتهم . وقوله : * ( كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) * تشبيه للمجيء أريد منه معنى الإحياء بعد الموت الذي كانوا ينكرونه فقد رأوه رأى العين . أي : جئتمونا منعزلين عن كل ما كنتم تعتزون به في الحياة الدنيا ، مجيئا مثل مجيئكم يوم خلقناكم أول مرة حفاة عراة . فالكاف في محل نصب صفة لمصدر محذوف . روى الشيخان عن ابن عباس قال : قام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال : « أيها الناس إنكم تحشرون إلى اللَّه حفاة عراة غرلا كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُه وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ « 1 » . ورويا - أيضا - عن عائشة قالت : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم « تحشرون حفاه عراة غرلا . قالت : يا رسول اللَّه ، الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض ؟ قال صلى اللَّه عليه وسلم : الأمر أشد من أن يهمهم ذلك « « 2 » . وروى الطبراني بسنده عن عائشة أنها قالت قرأت قول اللَّه - تعالى - * ( ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) * فقالت : يا رسول اللَّه وا سوأتاه ! الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض ؟ فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال ، شغل بعضهم عن بعض . قوله : * ( وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ ) * أي : تركتم ما أعطيناكم وملكناكم في الدنيا من أموال وأولاد وغيرهما وراء ظهوركم ولم تحملوا منه معكم نقيرا عندما جئتمونا للحساب . الخول : ما أعطاه اللَّه لعباده من النعم : يقال : خوله الشيء تخويلا ، ملكه إياه ومكنه منه . ومنه التخول بمعنى التعهد . والجملة الكريمة تتضمن توبيخهم ، لأنهم لم يقدموا منه شيئا في دنياهم ليكون نافعا لهم في أخراهم ، بل جمعوه وتركوه لغيرهم دون أن ينتفعوا به في معادهم .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب قوله - تعالى - * ( واتَّخَذَ اللَّه إِبْراهِيمَ خَلِيلًا ) * وأخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيم أهلها . ( 2 ) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق . باب كيف الحشر .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 132 | سيد محمد طنطاوي