شريعتهم من وجوب اتباعهم للحق وإيمانهم بمحمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عند ظهوره فكان تركهم لهذا النصيب العظيم مما ذكروا به سببا في ضلالهم وسوء عاقبتهم .
قال بعض العلماء : « وسبب نسيان حظ أي نصيب كبير مما ذكروا به ، هو اضطهاد النصارى اضطهادا شديدا في عهد الرومان حتى ضاعت كتبهم ولم يعرف شيء منها إلا قليل غير سليم بعد مائتي سنة من ترك المسيح هذه الدنيا . وما ظهرت هذه الأناجيل التي يتدارسونها - ولا يزالون يغيرون ويبدلون فيها على حسب الطبعات المختلفة - إلا بعد أن دخل قسطنطين أمبراطور الرومان في المسيحية ، وغير وبدل في مجمع نيقية الذي انعقد في سنة 325 ميلادية .
وقد ذهب لب الديانة وهو التوحيد » « 1 » .
وقوله : * ( فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ والْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ، وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّه بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ) * وعيد شديد لهم بسبب تركهم لما أرشدوا إليه ، ولما ذكروا به .
فالفاء في قوله - تعالى - * ( فَأَغْرَيْنا ) * للسببية وأغرينا أي : ألقينا وهيجنا وألصقنا . يقال :
أغريت فلانا بكذا حتى أغرى به ، أي : ألزمته به وألصقته وأصل ذلك من الغراء وهو ما يلتصق به الشيء .
وقوله : * ( بَيْنَهُمُ ) * ظرف لأغرينا . والضمير فيه يعود إلى فرق النصارى المتعددة عند جمهور المفسرين .
والمعنى : بسبب ترك هؤلاء الذين قالوا إنا نصارى لما ذكروا به فرقناهم شيعا وأحزابا وجعلنا كل فرقة منهم تعادى الأخرى وتبغضها إلى يوم القيامة .
ويرى بعضهم أن الضمير في قوله : * ( بَيْنَهُمُ ) * تعود إلى اليهود والنصارى ، فيكون المعنى :
بسبب ما عليه الطائفتان من عناد وضلال ، ألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ، فهم في عداوة شديدة ، وكراهية مستحكمة .
وقد رجح ابن جرير عودة الضمير إلى فرق النصارى فقال :
وأولى التأويلين بالآية عندي : ما قاله الربيع بن أنس وغيره . وهو أن المعنى بالإغراء بينهم :
النصارى في هذه الآية خاصة وأن الهاء والميم عائدتان على النصارى ، دون اليهود ، لأن ذكر الإغراء في خبر اللَّه عن النصارى بعد تقضى خبره عن اليهود ، وبعد ابتداء خبره عن النصارى ، فلأن يكون ذلك معنيا به النصارى خاصة . أولى من أن يكون معنيا به الحزبان جميعا لما ذكرناه » « 2 »
هامش
( 1 ) تفسير الآية الكريمة لفضيلة الشيخ محمد أبو زهرة - رحمه اللَّه - مجلة لواء الإسلام السنة 19 العدد التاسع ص 545 .
( 2 ) تفسير ابن جرير ج 6 ص 60