أنا ليكون سياقه أتم » « 1 » .
ويعجبني في هذا المقام قول ابن جرير : وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة ، فأن يقال : كان عليها مأكول . وجائز أن يكون هذا المأكول سمكا وخبزا ، وجائز أن يكون من ثمر الجنة ، وغير نافع العلم به ، ولا ضار الجهل به ، إذا أقر تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل « 2 » .
ويرى الحسن ومجاهد أن المائدة لم تنزل ، فقد روى ابن جرير - بسنده - عن قتادة قال :
كان الحسن يقول : لما قيل لهم : * ( فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ ) * قالوا : لا حاجة لنا فيها فلم تنزل .
وروى منصور بن زادان عن الحسن أيضا أنه قال في المائدة : إنها لم تنزل .
وروى ابن أبي حاتم وابن جرير عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال : هو مثل ضربه اللَّه ولم ينزل شيء .
أي : مثل ضربه اللَّه للناس نهيا لهم عن مسألة الآيات لأنبيائه .
قال الحافظ ابن كثير : وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى . وليس في كتابهم ، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما تتوفر الدواعي على نقله . وكان يكون موجودا في كتابهم متواترا ولا أقل من الآحاد » « 3 » .
وقد علق بعض العلماء على كلام ابن كثير هذا فقال : ولنا أن نقول : إن هذا الاستدلال إن كان يعنى عدم نزولها فقط ، فقد يكون له شيء من الوجاهة وإن كان يعنى أنها لم تنزل ولم يسأل ، فهو محل نظر كبير ، لأن السؤال ما لم ينته بإجابة كونية فعلية تبرز بها المائدة للناس ويرونها بأعينهم ويلمسونها بأيديهم فلا يعد بذلك مما تتوافر الدواعي على نقله ، لا سيما وعيسى في بيته محصورة :
جماعة سألوا وأجيبوا ، وانتهى الأمر برجوعهم عما سألوا فعدم تواتر سؤالها في كتب النصارى أو عدم وجوده فيها لا يستغرب كما يستغرب الأمر فيما لو نزلت المائدة فعلا ورآها الناس فعلا وأكلوا منها . وتذوقوا طعامها ، ولم يذكر عن ذلك شيء .
وقد ذكر القرآن هذه الحقيقة ابتداء وانفرد بها عن سائر الكتب ، ولا يلزم أن يكون كل ما قصه اللَّه - تعالى - في القرآن قد قصه في غيره من الكتب المتقدمة ، ولا أن أصحاب الأناجيل علموا بكل شيء حتى بمثل هذه المحاورة الخاصة التي لم تنته بحادث كوني حتى يكون عدم ذكرهم إياها في أنا جيلهم - التي وضعوها - دليلا على عدم سؤالها . فقصة السؤال إذن لم
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 119
( 2 ) تفسير ابن جرير ج 7 ص 135
( 3 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 119