ومفعول * ( تَسْئَلُوا ) * محذوف للتعميم . أي : لا تسألوا الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ولا تسألوا غيره عن أشياء لا فائدة من السؤال عنها ، بل إن السؤال عنها قد يؤدى إلى إحراجكم وإلى المشقة عليكم .
وقوله : * ( إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) * صفة لأشياء داعية إلى الانتهاء عن السؤال عنها .
وعبر « بأن » المفيدة للشك وعدم القطع بوقوع الشرط والجزاء للإشارة إلى أن هذا الشك كاف في تركهم للسؤال عن هذه الأشياء ، فإن المؤمن الحق يبتعد عن كل ما لا فائدة من ورائه من أسئلة أو غيرها .
وقوله : * ( وإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ ) * معطوف على ما قبله وهو قوله : * ( إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) * .
والضمير في قوله * ( عَنْها ) * يعود على * ( أَشْياءَ ) * و * ( حِينَ ) * ظرف زمان منصوب بالفعل * ( تَسْئَلُوا ) * .
والمعنى : لا تكثروا - أيها المؤمنون - من الأسئلة التي لا خير لكم في السؤال عنها ، وإن تسألوا عن أشياء نزل بها القرآن مجملة ، فتطلبوا بيانها تبين لكم حينئذ لاحتياجكم إليها .
قال الفخر الرازي : السؤال على قسمين :
أحدهما : السؤال عن شيء لم يجر ذكره في الكتاب والسنة بوجه من الوجوه . فهذا السؤال منهى عنه بقوله : * ( لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) * .
والنوع الثاني من السؤال : السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي فهاهنا السؤال واجب ، وهو المراد بقوله : * ( وإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ ) * .
والفائدة في ذكر هذا القسم ، أنه لما منع في الجملة الأولى من السؤال ، أو هم أن جميع أنواع السؤال ممنوع منه ، فذكر ذلك تمييزا لهذا القسم عن ذلك القسم .
فإن قيل : إن قوله * ( وإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها ) * هذا الضمير عائد على الأشياء المذكورة في قوله :
* ( لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ ) * فكيف يعقل في * ( أَشْياءَ ) * بأعيانها أن يكون السؤال عنها ممنوعا وجائزا معا ؟
قلنا : الجواب عنه من وجهين :
الأول : جائز أن يكون السؤال عنها ممنوعا قبل نزول القرآن بها ومأمورا به بعد نزول القرآن بها . والثاني : أنهما وإن كانا نوعين مختلفين ، إلا أنهما في حكم شيء واحد ، فلهذا حسن اتحاد الضمير ، وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين » « 1 » :
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 107