واللَّه يقول : * ( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) * . . الآية .
ثم قال : ابن كثير : وقد شهدت له صلى اللَّه عليه وسلم أمته بإبلاغ الرسالة ، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع . فقد قال في خطبته يومئذ : « أيها الناس ، إنكم مسؤولون عنى فماذا أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت » « 1 » .
وقوله : * ( واللَّه يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) * وعد منه - سبحانه - بحفظ نبيه من كيد أعدائه .
وقوله : * ( يَعْصِمُكَ ) * من العصم بمعنى الإمساك والمنع . وأصله - كما يقول ابن جرير - من عصام القربة ، وهو ما تربط به من سير وخيط ومنه قول الشاعر :
وقلت عليكم بمالك إن مالكا
سيعصمكم إن كان في الناس عاصم
أي : سيمنعكم « 2 » .
والمعنى : عليك يا محمد أن تبلغ رسالة اللَّه دون أن تخشى أحدا سواه ، واللَّه - تعالى - يحفظك من كيد أعدائك ويمنعك من أن تعلق نفسك بشيء من شبهاتهم واعتراضاتهم ويصون حياتك عن أن يعتدى عليها أحد بالقتل أو الإهلاك :
فالمراد بالعصمة هنا : عصمة نفسه وجسمه صلى اللَّه عليه وسلم من القتل أو الإهلاك ، وعصمة دعوته من أن يحول دون نجاحها حائل . وهذا لا ينافي ما تعرض له صلى اللَّه عليه وسلم من بأساء وضراء وأذى بدني ، فقد رماه المشركون بالحجارة حتى سالت دماؤه ، وشج وجهه وكسرت رباعيته في غزوة أحد .
والمراد بالناس هنا : المشركون والمنافقون واليهود ومن على شاكلتهم في الكفر والضلال والعناد ، إذ ليس في المؤمنين الصادقين إلا كل محب للَّه ولرسوله .
ولقد تضمنت هذه الجملة الكريمة معجزة كبرى للرسول صلى اللَّه عليه وسلم فقد عصم اللَّه - تعالى - حياة رسوله عن أن يصيبها قتل أو إهلاك على أيدي الناس مهما دبروا له من مكر وكيد .
لقد نجاه من كيدهم عندما اجتمعوا لقتله في دار الندوة ليلة هجرته إلى المدينة .
ونجاه من كيد اليهود عندما هموا بإلقاء حجر عليه وهو جالس تحت دار من دورهم .
ونجاه من مكرهم عندما هموا بإلقاء حجر عليه وهو جالس تحت دار من دورهم .
ونجاه من مكرهم عندما وضعت إحدى نسائهم السم في طعام قدم إليه صلى اللَّه عليه وسلم .
إلى غير ذلك من الأحداث التي تعرض لها النبي صلى اللَّه عليه وسلم من أعدائه . ولكن اللَّه - تعالى - نجاه منهم « 3 » .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 77
( 2 ) تفسير ابن جرير ج 6 ص 39
( 3 ) إذا أردت المزيد من ذلك فارجع إلى كتاب « أعلام النبوة » للماوردي .