الباطلة ، لا بد أن يصيبها العقاب الشديد بسبب ذلك .
وعبر - سبحانه - عما يصيبهم من عقاب بأنه بسبب ارتكابهم لبعض الذنوب ، للإشارة بأن لهم ذنوبا كثيرة بعضها كاف لإنزال العقوبة الشديدة بهم .
وقوله : * ( وإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ ) * اعتراض تذييلى مقرر لمضمون ما قبله ، ومتضمن تسلية الرسول صلى اللَّه عليه وسلم عما لقيه من مخالفيه ولا سيما اليهود .
أي : وإن كثيرا من الناس لخارجون عن طاعتنا ، ومتمردون على أحكامنا ، ومتبعون لخطوات الشيطان الذي استحوذ عليهم ، وإذا كان الأمر كذلك فلا تبتئس يا محمد عما لقيته من أصحاب النفوس المريضة ، بل اصبر حتى يحكم اللَّه بينك وبينهم .
ثم ختم - سبحانه - هذه الآية الكريمة بتوبيخ أولئك الذين يرغبون عن حكم اللَّه إلى حكم غيره فقال : * ( أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ) * .
فالهمزة هنا للاستفهام الإنكارى التوبيخي . والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام .
والمعنى : أينصرفون عن حكمك بما أنزل اللَّه ويعرضون عنه فيبغون حكم الجاهلية مع أن ما أنزله اللَّه إليك من قرآن فيه الأحكام العادلة التي ترضى كل ذي عقل سليم ، ومنطق قويم .
وقدم - سبحانه - المفعول « أفحكم » لإفادة التخصيص المفيد لتأكيد الإنكار والتعجيب من أحوال أولئك اليهود الذين يريدون حكم الجاهلية .
إذ أن التولي عن حكم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلى حكم آخر منكر عجيب . وطلب حكم الجاهلية أقبح وأعجب .
والمراد بالجاهلية : الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى ، والمداهنة في الأحكام ، فيكون ذلك توبيخا لليهود بأنهم مع كونهم أهل كتاب يبغون حكم الملة الجاهلية . وعدم الأخذ بشريعة المساواة . فيكون ذلك - أيضا - تعييرا لهم لاقتدائهم بأهل الجاهلية .
قال الآلوسي : فقد روى أن بنى النضير لما تحاكموا إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في خصومة قتيل وقعت بينهم وبين بني قريظة ، طلب بعضهم من رسول اللَّه أن يحكم بينهم بما كان عليه أهل الجاهلية من التفاضل ، فقال صلى اللَّه عليه وسلم : « القتلى سواء » - أي : متساوون - فقال بنو النضير : نحن لا نرضى بحكمك ، فنزلت هذه الآية » « 1 » .
وقوله - تعالى - * ( ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّه حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) * إنكار منه - سبحانه - لأن يكون هناك حكم أحسن من حكمه أو مساو له .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 156 .