ومعنى * ( كَتَبَ اللَّه لَكُمْ ) * : قدر لكم سكناها ، ووعدكم إياها متى آمنتم به وأطعتم أنبياءه ، أو معناه : فرض عليكم دخولها وأمركم به كما أمركم بأداء الصلاة والزكاة - وسنفصل القول في هذه المسألة بعد تفسيرنا للآيات - .
ومفعول * ( كَتَبَ ) * محذوف . أي كتب لكم أن تدخلوها وفرض عليكم دخولها لإنقاذكم من الأهوال التي نزلت بكم في أرض مصر من فرعون وجنده .
وقد تعدى فعل * ( كَتَبَ ) * هنا باللام دون على ، للإشارة إلى أن ما فرضه عليهم إنما هو لمنفعتهم ولعزتهم ورفعة شأنهم .
وفي تكرير النداء من موسى لهم بقوله : * ( يا قَوْمِ ) * مبالغة في حثهم على الامتثال لما يأمرهم به ، وتنبيه إلى خطر ما يدعوهم إليه وعظم شأنه .
وقوله : * ( كَتَبَ اللَّه لَكُمْ ) * فيه حض شديد لهم على الاستجابة لأمره ، وإغراء لهم بالنصر والفوز ، لأن الذي كتب لهم أن يدخلوها متى آمنوا وأطاعوا هو اللَّه الذي لا معقب لحكمه .
قال الإمام الرازي : في قوله : * ( كَتَبَ اللَّه لَكُمْ ) * فائدة عظيمة . وهي أن القوم كانوا جبارين إلا أن اللَّه - تعالى - لما وعد هؤلاء الضعفاء بأن تلك الأرض لهم ، فإن كانوا مؤمنين مقرين بصدق موسى - عليه السلام - علموا قطعا أن اللَّه ينصرهم عليهم ، فلا بد وأن يقدموا على قتالهم من غير جبن ولا خوف ولا هلع » « 1 » .
وقوله - تعالى - : * ( ولا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ) * تحذير لهم من الجبن والإحجام ، بعد ترغيبهم الشديد في الشجاعة والإقدام .
وقوله * ( تَرْتَدُّوا ) * من الارتداد وهو الرجوع إلى الخلف .
والأدبار جمع دبر وهو الظهر .
وهذا التعبير استعارة تمثيلية فيها تشبيه حال من يرجع عن الجهاد بعد أن توافرت أسبابه ، يحال من يتراجع سائرا بظهره إلى الوراء ، بدل أن يسير بوجهه إلى الأمام . وهذا التعبير يصور قبح الجبن والتخاذل حسا ومعنى .
وقوله ( فتنقلبوا ) من الانقلاب بمعنى الرجوع والانصراف عن الشيء وهو مجزوم عطفا على فعل النهى وهو * ( ولا تَرْتَدُّوا ) * .
والمعنى : أمضوا أيها القوم لأمر اللَّه ، وسيروا خلفي لقتال الأعداء ودخول الأرض المقدسة
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 198