الموت لئلا يصيب أبناءهم اليتم وآلامه ، ويجعلونهم يبخلون فلا ينفقون فيما ينبغي أن ينفق فيه إيثارا لهم بالمال ، ويجعلونهم يحزنون عليهم إن أصابهم مرض ونحوه .
أما الأمر الثالث من المشتهيات : فقد عبر عنه القرآن بقوله * ( والْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ ) * والقناطير جمع قنطار ، وهو مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه ، تقول العرب : قنطرت الشيء إذا أحكمته ، ومنه سميت القنطرة لإحكامها .
قال الفخر الرازي « القنطار مال كثير يتوثق الإنسان به في دفع أصناف النوائب وحكى أبو عبيدة عن العرب أنهم يقولون : إنه وزن لا يحد . واعلم أن هذا هو الصحيح ، ومن الناس من حاول تحديده . فعن ابن عباس : القنطار ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم وهو مقدار الدية » « 1 » .
ولفظ * ( الْمُقَنْطَرَةِ ) * مأخوذ من القنطار . ومن عادة العرب أن يصفوا الشيء بما يشتق منه للمبالغة أي والقناطير المضاعفة المتكاثرة المجموعة قنطارا قنطارا كقولهم : دراهم مدرهمة وإبل مؤبلة .
وقوله * ( مِنَ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ ) * بيان للقناطير ، وهو في موضع الحال منها .
والمراد أن الإنسان محب للمال حبا شديدا ، قال - تعالى - وإِنَّه لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ وقال تعالى - وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا . وتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا .
وفي الحديث الشريف الذي رواه الشيخان عن ابن عباس أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا . ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب . ويتوب اللَّه على من تاب » والأحاديث في هذا المعنى كثيرة .
وقالت السيدة - عائشة - رضى اللَّه عنها - « رأيت ذا المال مهيبا ، ورأيت ذا الفقر مهينا » .
وقالت : « إن أحساب ذوى الدنيا بنيت على المال » « 2 » .
وإنما كان الذهب والفضة محبوبين ، لأنهما - كما يقول الرازي - جعلا ثمنا لجميع الأشياء ، فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء « وصفة المالكية هي القدرة ، والقدرة صفة كمال ، والكمال محبوب لذاته ، فلما كان الذهب والفضة أكمل الوسائل إلى تحصيل هذا الكمال الذي هو محبوب لذاته - وما لا يوجد المحبوب إلا به فهو محبوب - لا جرم كانا محبوبين » « 3 » .
هامش
( 1 ) التفسير الكبير للفخر الرازي ج 7 ص 210 .
( 2 ) التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول ج 5 ص 162 للشيخ منصور على ناصف .
( 3 ) التفسير الكبير للفخر الرازي ج 7 ص 211 .