أو آتنا ما وعدتنا على تصديق رسلك والإيمان بهم من جزاء حسن قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف دعوا اللَّه بإنجاز ما وعد واللَّه لا يخلف الميعاد ؟
قلت : معناه طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد ، أو هو من باب الملجأ إلى اللَّه والخضوع له ، كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، « يستغفرون مع علمهم بأنهم مغفور لهم ، يقصدون بذلك التذلل لربهم ، والتضرع إليه ، والملجأ الذي هو سيما العبودية » « 1 » .
تلك هي الدعوات الخاشعات التي حكاها - سبحانه - عن أصحاب العقول السليمة ، وهم ينضرعون بها إلى خالقهم - عز وجل - فما ذا كانت نتيجتها ؟
لقد كانت نتيجة دعواتهم ، أن أجاب اللَّه لهم سؤالهم وحقق لهم مطلوبهم فقال - تعالى - * ( فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ) * ! ! .
قال الحسن البصري : « ما زالوا يقولون ربنا حتى استجاب لهم » .
وقال جعفر الصادق : « من حزبه أمر فقال خمس مرات * ( رَبَّنا ) * أنجاه اللَّه مما يخاف ، وأعطاه ما أراد ، قيل : وكيف ذلك ؟ قال : اقرؤا إن شئتم قوله - تعالى - * ( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّه قِياماً ) * . . . إلخ فإن هؤلاء الأخيار قد نادوا ربهم خمس مرات فأجاب اللَّه لهم دعاءهم .
ودلت الفاء في قوله * ( فَاسْتَجابَ ) * على سرعة الإجابة ، لأن الفاء للتعقيب ، فهم لأنهم دعوا اللَّه بقلب سليم ، أجاب اللَّه لهم دعاءهم بدون إبطاء .
واستجاب هنا بمعنى أجاب عند جمهور العلماء ، إذ السين والتاء للتأكيد ، مثل استوقد واستخلص .
وقال بعضهم : إن استجاب أخص من أجاب ، لأن استجاب يقال لمن قبل ما دعى إليه ، وأجاب أعم فيقال لمن أجاب بالقبول وبالرد .
والمعنى : أن اللَّه - تعالى - قد بشر هؤلاء الأخيار برضاه عنهم ، بأن أخبرهم بأنه قد أجاب لهم دعاءهم ، وأنه - سبحانه - لا يضيع عمل عامل منهم ، بل سيجازيهم بالجزاء الأوفى ، وسيمنحهم من الثواب . فوق ما عملوا لأنه هو الكريم الوهاب ، ولن يفرق في عطائه بين ذكر وأنثى ، لأن الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر وقد خلقهم جميعا من نفس واحدة .
وفي التعبير باللفظ السامي * ( رَبُّهُمْ ) * إشارة إلى أن الذي سيجزيهم هو خالقهم ومربيهم والمنعم عليهم ، والرحيم بهم .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 455 .