والمعنى فإن كذبك هؤلاء اليهود يا محمد بعد أن قام الدليل على صدقك وعلى كذبهم وتعنتهم وجحودهم ، فلا تبتئس ولا تحزن ، فإن الأنبياء من قبلك قد قوبلوا بالتكذيب من أقوالهم بعد أن جاؤهم بالدلائل الواضحة الدالة على صدقهم وبعد أن جاؤهم بِالزُّبُرِ أي بالكتب الموحى بها من اللَّه - تعالى - لوعظ الناس وزجرهم ، وبعد أن جاؤهم بالكتاب المنير أي بالكتاب الواضح المستنير المشتمل على سعادة الناس في دنياهم وآخرتهم .
فالآية الكريمة مسوقة على سبيل التسلية للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم والتخفيف عنه مما يلقاه من الجاحدين والمكذبين .
ثم بين - سبحانه - أن مرد الخلق جميعا إلى اللَّه ، وأن كل نفس مهما طال عمرها لا بد أن يصيبها الموت ، وأن الدار الباقية إنما هي الدار الآخرة التي سيحاسب الناس فيها على أعمالهم فقال - تعالى - : * ( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ، وإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) * .
قال ابن كثير : « يخبر - تعالى - إخبارا عاما يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت ، كقوله - تعالى - : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ويَبْقى وَجْه رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ والإِكْرامِ .
فهو - تعالى - وحده الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون ، وكذلك الملائكة وحملة العرش ، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء فيكون آخرا كما كان أولا ، وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس ، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت . . « .
وقوله * ( ذائِقَةُ الْمَوْتِ ) * من الذوق وحقيقته إدراك الطعوم ، والمراد به هنا حدوث الموت لكل نفس .
وعبر عن حدوث الموت لكل نفس بذوقه ، للإشارة إلى أنه عند ذوق المذاق إما مرا لما يستتبعه من عذاب ، وإما حلوا هنيئا بسبب ما يكون بعده من أجر وثواب .
وأسند ذوق الموت إلى الناس ولم يسنده إلى الشخص : لأن النفس روح ، والشخص جزءان : جسم ونفس ، والنفس هي التي تبقى بعد مفارقتها للجسد ، فهي التي تذوق الموت كما ذاقت الحياة الدنيا .
وقوله * ( وإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) * أي : وإنما تعطون جزاء أعمالكم وافيا تاما يوم القيامة . يوم يقوم الناس لرب العالمين ليحاسبهم على أعمالهم ، فيجازى الذين أساؤا بما عملوا . ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت كيف اتصل قوله - تعالى - : * ( وإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) * بما قبله ؟ قلت : اتصاله به على معنى أن كلكم تموتون ، ولا بد لكم من الموت
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 360
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٣٦٠