وقوله * ( مِنَ اللَّه ) * متعلق بمحذوف صفة لنعمة ، وهو مؤكد لفخامتها وأنها نعمة جزيلة لا يقدر قدرها .
وقوله * ( لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ) * أي لم يصبهم أي أذى أو مكروه عند خروجهم وعودتهم .
والجملة في موضع الحال من فاعل * ( فَانْقَلَبُوا ) * أي رجعوا منعمين مبرئين من السوء والأذى .
وقوله * ( واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّه ) * معطوف على قوله * ( فَانْقَلَبُوا ) * .
أي اتبعوا ما يرضى اللَّه ويوصلهم إلى مثوبته ورحمته ، باستجابتهم لرسولهم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وخروجهم للقاء أعدائهم بإيمان عميق ، وعزم وثيق .
فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد أخبر عن هؤلاء المجاهدين المخلصين أنهم قد صحبهم في عودتهم أمور أربعة :
أولها : النعمة العظيمة .
وثانيها : الفضل الجزيل .
وثالثها : السلامة من السوء .
ورابعها : اتباع رضوان اللَّه .
وهذا كله قد منحه اللَّه لهم جزاء إخلاصهم وثباتهم على الحق الذي آمنوا به .
ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله : * ( واللَّه ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) * .
أي واللَّه تعالى صاحب الفضل العظيم الذي لا يحده حصر ، ولا يحصيه عد ، هو الذي تفضل على هؤلاء المؤمنين الصادقين بما تفضل به من عطاء كريم ، وثواب جزيل .
وفي هذا التذيل زيادة تبشير للمؤمنين برعاية اللَّه لهم ، وزيادة تحسير للمتخلفين عن الجهاد في سبيله - عز وجل - ، حيث حرموا أنفسهم مما فاز به المؤمنون الصادقون .
ثم أمر اللَّه تعالى عباده المؤمنين أن يجعلوا خشيتهم وخوفهم منه وحده ، فقال تعالى :
* ( إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَه فَلا تَخافُوهُمْ وخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) * .
فالخطاب في الآية الكريمة للمؤمنين ، والإشارة بذلكم إلى المثبط بالذات أو بالواسطة .
وقوله * ( إِنَّما ) * أداة حصر ، و * ( ذلِكُمُ ) * مبتدأ و * ( الشَّيْطانُ ) * خبره ، وقوله : * ( يُخَوِّفُ أَوْلِياءَه ) * جملة مستأنفة مبينة لشيطنته .
وقيل إن * ( ذلِكُمُ ) * مبتدأ أول ، و * ( الشَّيْطانُ ) * مبتدأ ثان . وقوله * ( يُخَوِّفُ أَوْلِياءَه ) * خبر للمبتد الثاني . وهو وخبره خبر للمبتدأ الأول .
والمراد بالشيطان إبليس لأنه علم بالغلبة عليه ولأنه هو الذي يخوف بالوسوسة . وقيل المراد به أتباعه الذين دسهم لكي يرهبوا المؤمنين من الكافرين وهم جماعة بنى عبد القيس أو نعيم بن مسعود المجاشعي .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 344
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٣٤٤