هذا ، وجمهور العلماء على أن الغال يأتي بما غله يوم القيامة بعينه على سبيل الحقيقة لأن ظواهر النصوص من الكتاب والسنة نؤيد ذلك . ولأنه لا موجب لصرف الألفاظ عن ظواهرها .
ومن العلماء من جعل الإتيان بالغلول يوم القيامة مجاز عن الإتيان بإثمه تعبيرا بما غل عما لزمه من الإثم مجازا .
قال الفخر الرازي : « واعلم أن هذا التأويل - المجازى - يحتمل ، إلا أن الأصل المعتبر في علم القرآن أنه يجب إجراء اللفظ على الحقيقة إلا إذا قام دليل يمنع منه . وهنا لا مانع من هذا الظاهر فوجب إثباته » « 1 » .
ومن المفسرين الذين حملوا الإتيان على ظاهره الإمام القرطبي فقد قال عند تفسيره لقوله - تعالى - * ( ومَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) * أي يأتي به حاملا له على ظهره ورقبته معذبا بحمله وثقله ومرعوبا بصوته ، وموبخا بإظهار خيانته على رؤس الاشهاد .
وقال بعد إيراده للحديث السابق الذي رواه مسلم عن أبي هريرة : قيل الخبر محمول على شهرة الأمر . أي يأتي يوم القيامة قد شهر اللَّه أمره كما يشهر لو حمل بعيرا له رغاء أو فرسا له حمحمة .
قلت : وهذا عدول عن الحقيقة إلى المجاز والتشبيه ، وإذا دار الكلام بين الحقيقة والمجاز فالحقيقة الأصل - كما في كتب الأصول - وقد أخبر النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالحقيقة ولا عطر بعد عروس » « 2 » .
ثم نبه - سبحانه - على العقوبة التي ستحل بالخائن ، بعد أن بين ما سيناله من فضيحة وخزي فقال : * ( ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) * .
أي : ثم تعطى كل نفس يوم القيامة جزاء ما كسبت من خير أو شر وافيا تاما ، وهم لا يظلمون شيئا ، لأن الحاكم بينهم هو ربك الذي لا يظلم أحدا .
وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها وقوله * ( ومَنْ يَغْلُلْ ) * وجاء العطف بثم المفيدة للتراخي ، للإشعار بالتفاوت الشديد بين حمله ما غل وبين جزائه وسوء عاقبته يوم القيامة .
وقال - سبحانه - * ( ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ) * . . بصيغة العموم ، ولم يقل ثم يوفى الغال مثلا - لأن من فوائد ذكر هذا الجزاء بصيغة العموم ، الإعلام والإخبار للغال وغيره من جميع الكاسبين
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 73 .
( 2 ) تفسير القرطبي ج 4 ص 257 .