ثم قال : واختلف أهل التأويل في المعنى الذي أمر اللَّه نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يشاور فيه أصحابه فقالت طائفة : ذلك في مكائد الحروب ، وعند لقاء العدو ، تطييبا لنفوسهم ورفعا لأقدارهم وإن كان اللَّه - تعالى - قد أغناه عن رأيهم بوحيه .
وقال آخرون : ذلك فيما لم يأته فيه وحى . فقد قال الحسن : ما أمر اللَّه - تعالى - نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم ، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشاورة من الفضل وليقتدى به أمته من بعده .
ثم قال : والشورى من قواعد الشريعة ، وعزائم الأحكام ، والذي لا يستشير أهل العلم والدين - والخبرة - فعزله واجب وهذا لا خلاف فيه .
وقد استشار النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أصحابه في كثير من الأمور ، وقال « المستشار مؤتمن » وقال « ما ندم من استشار ولا خاب من استخار » وقال : « ما شقي قط عبد بمشورة وما سعد باستغناء رأى » .
وقال البخاري : « وكانت الأمة بعد النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها » « 1 » .
وقال الفخر الرازي ما ملخصه : « اتفقوا على أن كل ما نزل فيه وحى من عند اللَّه لم يجز للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يشاور فيه الأمة ، لأنه إذا جاء النص بطل الرأي والقياس ، فأما مالا نص فيه فهل تجوز المشاورة فيه في جميع الأشياء أولا ؟
قال بعضهم : هذا الأمر مخصوص بالمشاورة في الحروب ، لأن الألف واللام في لفظ « الأمر » تعود على المعهود السابق وهو ما يتعلق بالحروب - إذ الكلام في غزوة أحد - .
وقال آخرون : اللفظ عام خص منه ما نزل فيه وحي فتبقى حجته في الباقي وظاهر الأمر في قوله * ( وشاوِرْهُمْ ) * للوجوب وحمله الشافعي على الندب . . « 2 » .
والحق أن الشورى أصل من أصول الحكم في الإسلام ، وقد استشار النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أصحابه في غزوات بدر وأحد والأحزاب وفي غير ذلك من الأمور التي تتعلق بمصالح المسلمين ، وسار على هذا المنهج السلف الصالح من هذه الأمة .
ولقد كان عمر بن الخطاب - رضى اللَّه عنه - يكتب لعماله يأمرهم بالتشاور ويتمثل لهم في كتبه بقول الشاعر :
خليلي ليس الرأي في صدر واحد
أشيرا على بالذي تريان
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 4 ص 249 بتصرف وتلخيص .
( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 67 .