الكافرين وما يترتب عليها من مضار ، انتقل إلى توجيههم إلى ما فيه عزتهم وكرامتهم وسعادتهم .
والمولى هنا بمعنى النصير والمعين ، وهذا اللفظ لا يدل على النصرة والعون فقط ، وإنما يدل على كمال المحبة والمودة والقرب ، والنصرة تجيء ملازمة لهذه المعاني ، لأنه من كان اللَّه محبا له ، كان - سبحانه - ناصرا له لا محالة .
والمعنى إني أنهاكم - أيها المؤمنون - عن إطاعة الكافرين ، لأنهم ليسوا أولياء لكم فتطيعوهم ، بل اللَّه - تعالى - هو وليكم ومعينكم وهو خير الناصرين ، لأنه هو الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء فأخلصوا له العبادة والطاعة .
ثم بشرهم - سبحانه - بأنه سيلقى الرعب والفزع في قلوب أعدائهم فقال - تعالى - :
* ( سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّه ما لَمْ يُنَزِّلْ بِه سُلْطاناً ) * .
والرعب : الخوف والفزع ، يقال رعبه يرعبه أي خوفه أصله من الملء يقال : سيل راعب ، إذا ملأ الأودية . ورعبت الحوض : ملأته .
والسلطان : الحجة والبرهان وسميت الحجة سلطانا لقوتها ونفوذها . أصل المادة يدل على الشدة والقوة ومنها السليط الشديد واللسان الطويل .
والمعنى : سنملأ قلوب المشركين خوفا وفزعا بسبب إشراكهم مع اللَّه - تعالى - آلهة لم ينزل اللَّه بها حجة والمراد : أنه لا حجة لهم حتى ينزلها .
قال الآلوسي : قوله * ( ما لَمْ يُنَزِّلْ بِه ) * أي بإشراكه أو بعبادته ، و « ما » نكرة موصوفة أو موصولة اسمية وليست مصدرية و « سلطانا » أي حجة والإتيان بها للإشارة بأن المتبع في باب التوحيد هو البرهان السماوي دون الآراء والأهواء الباطلة . . وذكر عدم إنزال الحجة مع استحالة تحققها من باب انتفاء المقيد لانتفاء قيده اللازم ، أي : لا حجة حتى ينزلها ، فهو على حد قوله في وصف مفازة :
لا تفزع الأرنب أهوالها
ولا ترى الضب بها ينجحر
إذ المراد : لا ضب بها حتى ينجحر . فالمراد نفيهما جميعا « 1 » .
فالآية الكريمة قد بشرت المؤمنين بأن اللَّه - تعالى - سيلقى الرعب والفزع في قلوب أعدائهم حتى لا يتجاسروا عليهم .
ومن مظاهر الرعب التي ألقاها اللَّه - تعالى - في قلوب المشركين أنهم بعد أن انتصروا على
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 4 ص 88 .