وقوله * ( ومَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْه فَلَنْ يَضُرَّ اللَّه شَيْئاً ) * الغرض منه تأكيد الوعيد ، لأن كل عاقل يعلم أن اللَّه - تعالى - لا يضره كفر الكافرين .
أي : ومن ينقلب على عقبيه بعد وفاة النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بأن يرجع إلى ما كان عليه من الكفر والضلال ، فلن يضر اللَّه شيئا من الضرر وإن قل ، إنما يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب ، وبحرمانها من الأجر والثواب .
ثم أتبع - سبحانه - هذا الوعيد بالوعد فقال : * ( وسَيَجْزِي اللَّه الشَّاكِرِينَ ) * أي : وسيثيب اللَّه - تعالى - الثابتين على الحق والصابرين على الشدائد الشاكرين له نعمه في السراء والضراء ، سيثيبهم على ذلك بالنصر في الدنيا وبرضوانه في الآخرة .
وعبر هنا بالشاكرين ولم يعبر بالصابرين مع أن الصبر في هذا الموطن أظهر ، وذلك لأن الشكر في هذا المقام هو أسمى درجات الصبر ، لأن هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين وقفوا إلى جانب النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في ساعة العسرة ، لم يكتفوا بتحمل البلاء معه فقط ، بل تجاوزوا حدود الصبر إلى حدود الشكر على هذه الشدائد التي ميزت الخبيث من الطيب ، فالشكر هنا صبر وزيادة ، وقليل من الناس هو الذي يكون على هذه الشاكلة ، ولذا قال تعالى وقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ فالآية الكريمة قد تضمنت عتابا وتوبيخا لأولئك المسلمين الذين ضعف يقينهم ، وفترت همتهم ، عندما أرجف المرجفون في غزوة أحد بأن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قد قتل .
كما تضمنت الثناء الجزيل على أولئك الثابتين الصابرين الذين لم تؤثر في قوة إيمانهم تلك الأراجيف الكاذبة ، بل مضوا في جهادهم وثباتهم بدون تردد أو تزعزع ولقد كان الثابتون حول رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في غزوة أحد كثيرين ومن بينهم أنس بن النضر - رضى اللَّه عنه - ، فقد روى البخاري عن أنس - رضى اللَّه عنه - قال : غاب عمى أنس بن النضر عن قتال بدر ، فقال :
يا رسول اللَّه . غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين ، لئن أشهدنى اللَّه قتال المشركين ليرين اللَّه ما أصنع .
فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون . قال : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعنى المسلمين - . وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعنى المشركين - .
ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ . فقال : يا سعد بن معاذ ! ! الجنة ورب النضر إني لأجد ريحها من دون أحد .
قال سعد : فما استطعت يا رسول اللَّه ما صنع .
قال أنس : فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف ، أو طعنة برمح ، أو رمية بسهم ، ووجدناه قد قتل ، وقد مثل به المشركون ، فما عرفه أحد إلا أخته بينانه .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 284
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٢٨٤