وفيما وراء مداولة الأيام بين الناس فقال - تعالى - * ( ولِيَعْلَمَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ ) * .
أي فعلنا ما فعلنا في أحد ، واقتضت حكمتنا أن نداول الأيام بينكم وبين عدوكم ، ليظهر أمركم - أيها المؤمنون - ، وليتميز قوى الإيمان من ضعيفه .
فمعنى علم اللَّه هو تحقق ما قدره في الأزل فيعلمه الناس ، ويعلمه اللَّه - تعالى - واقعا حاضرا ، وذلك لأن العلم الغيبي لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب ، وإنما يترتبان على المعلوم إذا صار مشاهدا واقعا في الحس .
قال صاحب الكشاف : وقوله * ( ولِيَعْلَمَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا ) * فيه وجهان :
أحدهما : أن يكون المعلل محذوفا والمعنى : وليتميز الثابتون على الإيمان منكم من الذين على حرف فعلنا ذلك . وهو من باب التمثيل . بمعنى : فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم من الثابت على الإيمان منكم من غير الثابت ، وإلا فاللَّه - عز وجل - لم يزل عالما بالأشياء قبل كونها .
والثاني : أنه تكون العلة محذوفة ، وهذا عطف عليه والمعنى : وفعلنا ذلك ليكون كيت وليعلم اللَّه . وإنما حذف للإيذان بأن المصلحة فيما فعل ليست بواحدة ، ليسليهم عما جرى عليهم ، وليبصرهم بأن العبد يسوؤه ما يجرى عليه من المصائب ، ولا يشعر أن اللَّه في ذلك من المصالح ما هو غافل عنه » « 1 » .
وقوله * ( ويَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ ) * بيان لحكمة أخرى لما أصاب المسلمين يوم أحد .
أي : وليكرم ناسا منكم بالشهادة ليكونوا مثالا لغيرهم في التضحية بالنفس من أجل إعلاء كلمة اللَّه ، والدفاع عن الحق . وهو - سبحانه - يحب الشهداء من عباده ، ويرفعهم إلى أعلا الدرجات ، وأسمى المنازل .
قال القرطبي ما ملخصه : قوله - تعالى - * ( ويَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ ) * أي يكرمكم بالشهادة ، أي ليقتل قوم منكم فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم . وقيل : لهذا قيل شهيد .
وقيل : سمى شهيدا لأنه مشهود له بالجنة . وقيل : سمى شهيدا ، لأن أرواحهم احتضرت دار السّلام لأنهم أحياء عند ربهم ، فالشهيد بمعنى الشاهد أي الحاضر للجنة . والشهادة فضلها عظيم ويكفيك في فضلها قوله - تعالى - إِنَّ اللَّه اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ . . . الآية . وفي الحديث الشريف أن رجلا قال : يا رسول اللَّه ، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد ؟ فقال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة » « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 420 .
( 2 ) تفسير القرطبي ج 4 ص 218 .