وقد ابتدأ - سبحانه - الآية بالنداء بقوله * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) * لبيان أن أكل الربا ليس من شأن المؤمنين ، وإنما هو من سمات الكافرين والفاسقين .
وإذا كان الكافرون يستكثرون من تعاطى الربا فعلى المؤمنين أن يجتنبوا هذا الفعل القبيح ، وأن يتحروا الحلال في كل أمورهم .
وخصه بالنهى لأنه كان شائعا في ذلك الوقت ، ولأنه - كما يقول القرطبي - هو الذي أذن فيه بالحرب في قوله - تعالى - فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّه ورَسُولِه والحرب يؤذن بالقتل ، فكأنه يقول لهم : إن لم تتقوا الربا هزمتم وقتلتم « 1 » .
والمراد من الأكل الأخذ ، وعبر عنه بالأكل لما أنه معظم ما يقصد به ، ولشيوعه في المأكولات مع ما فيه من زيادة التشنيع .
والربا معناه الزيادة ، والمراد بها هنا تلك الزيادة التي كانت تضاف على الدين .
قال الإمام ابن جرير : عن عطاء قال : كانت ثقيف تداين بنى المغيرة في الجاهلية ، فإذا حل الأجل قالوا : نزيدكم وتؤخرون .
وقال ابن زيد : كان أبى - زيد بن ثابت - يقول : إنما كان ربا الجاهلية في التضعيف .
يكون للرجل على الرجل دين فيأتيه إذا حل الأجل فيقول له : « تقضيني أو تزيدني » « 2 » .
وقوله * ( أَضْعافاً ) * حال من الربا ، وقوله * ( مُضاعَفَةً ) * صفة له .
والأضعاف جمع ضعف . وضعف الشيء مثله ، وضعفاه مثلاه ، وأضعافه أمثاله .
وهذا القيد وهو قوله « أضعافا مضاعفة » ليس لتقييد النهى به ، أي ليس النهى عن أكل الربا في هذه الحالة وإباحته في غيرها ، بل هذا القيد لمراعاة الواقع ، ولبيان ما كانوا عليه في الجاهلية من التعامل الفاسد المؤدى إلى استئصال المال ، ولتوبيخ من كان يتعاطى الربا بتلك الصورة البشعة .
وقد حرم اللَّه - تعالى - أصل الربا ومضاعفته ، ونفر منه تنفيرا شديدا ، فقال - تعالى - الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُه الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وأَحَلَّ اللَّه الْبَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا .
وهذا النوع من الربا الذي نهى اللَّه - تعالى - عنه هنا بقوله : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً ) * هو الذي يسمى عند الصحابة والفقهاء بربا النسيئة ، أو ربا الجاهلية
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 4 ص
( 2 ) تفسير ابن جرير الطبري ج 4 ص 90 .