وكذلك الحال بالنسبة للإنجيل إذ ليست هذه الأناجيل التي يقرؤها المسيحيون اليوم هي الإنجيل الذي أنزله اللَّه على عيسى وإنما هي مؤلفات ألفت بعد عيسى - عليه السّلام - ونسبت إلى بعض الحواريين من أصحابه .
أما الإنجيل الذي أنزله اللَّه على عيسى والذي وصفه اللَّه بأنه هداية للناس فهو غير هذه الأناجيل « 1 » .
و * ( الْفُرْقانَ ) * كل ما فرق به بين الحق والباطل ، والحلال والحرام . وهو مصدر فرق يفرق بين الشيئين فرقا وفرقانا .
1 - والمراد به عند أكثر المفسرين : الكتب السماوية التي سبق ذكرها وهي التوراة والإنجيل والقرآن . أي : أنزل بهذه الكتب ما يفرق به بين الحق والباطل ، والهدى والضلال . والخير والشر ، وبذلك لا يكون لأحد عذر في جحودها والكفر بها .
وأعيد ذكرها بوصف خاص لم يذكر فيما سبق على طريق العطف بتكرير لفظ الإنزال ، تنزيلا للتغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي .
2 - وقال بعضهم المراد بالفرقان هنا القرآن . وإنما أعاده بهذا العنوان بعد ذكره باسم الجنس تعظيما لشأنه ، ورفعا لمكانه ، ومدحا له بكونه فارقا بين الحق والباطل ، للإشارة إلى الاتصال الكامل بين شرائع اللَّه - تعالى - وأنه تتميم لما سبقه ، وأنه كمال الشرائع كلها .
3 - وقال بعضهم : المراد به جنس الكتب السماوية التي أنزلها اللَّه - تعالى - على رسله لهداية الناس وسعادتهم . وقد عبر عنها بالفرقان ليشمل هذا الوصف ما ذكر منها وما لم يذكر على طريق التتميم بالتعميم ، إثر تخصيص مشاهيرها بالذكر .
وقد ذكر صاحب الكشاف هذه الأقوال وغيرها فقال : « فإن قلت : ما المراد بالفرقان ؟
قلت : جنس الكتب السماوية لأن كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل من كتبه ، أو من هذه الكتب . أو أراد الكتاب الرابع وهو الزبور . أو كرر ذكر القرآن بما هو نعت له من كونه فارقا بين الحق والباطل » « 2 » .
أما الفخر الرازي فإنه لم يرتض كل هذه الأقوال ، بل أتى برأي جديد فقال - ما ملخصه :
4 - « والمختار عندي أن المراد من هذا الفرقان : المعجزات التي قرنها اللَّه - تعالى - بإنزال هذه الكتب ، وذلك لأنهم لما أتوا بهذه الكتب ، وادعوا أنها كتب نازلة عليهم من عند اللَّه ،
هامش
( 1 ) راجع تاريخ الأناجيل في كتاب « محاضرات في النصرانية » لفضيلة أستاذنا المرحوم محمد أبو زهرة .
( 2 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 336 طبعة دار الكتاب العربي ببيروت .