وقال الفخر الرازي ما ملخصه : فإن : قيل : قال هنا : * ( ويَقْتُلُونَ الأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ) * وقال في سورة البقرة ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ فما الفرق ؟ قلت : إن الحق المعلوم بين المسلمين الذي يوجب القتل يتجلى في حديث : « لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ، وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق » . فالحق المذكور في سورة البقرة إشارة إلى هذا .
وأما الحق المنكر هنا فالمراد به تأكيد العموم أي لم يكن هناك أي حق يستندون إليه ، لا هذا الذي يعرفه المسلمون ولا غيره البتة « 1 » .
ونسب - سبحانه - القتل إلى أولئك اليهود المعاصرين للعهد النبوي مع أن القتل قد صدر عن أسلافهم ، لأن أولئك المعاصرين كانوا راضين بفعل آبائهم وأجدادهم ، فصحت نسبة القتل إليهم ، ولأن بعض أولئك المعاصرين قد همّ بقتل النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فكف اللَّه - تعالى - أيديهم الأثيمة عنه .
ثم سجل اللَّه - تعالى - جريمتهم الثالثة بقوله * ( ذلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ ) * .
العصيان : الخروج عن طاعة اللَّه ، والاعتداء : تجاوز الحد الذي حده اللَّه - تعالى - لعباده إلى غيره وكل متجاوز حد شيء إلى غيره فقد تعداه إلى ما جاوز إليه .
وللمفسرين في مرجع اسم الإشارة * ( ذلِكَ ) * في قوله * ( ذلِكَ بِما عَصَوْا ) * رأيان :
أولهما : أنه يعود إلى كفرهم بآيات اللَّه وقتلهم لأنبيائه ، وعليه يكون المعنى :
إن هؤلاء اليهود قد ألفوا العصيان لخالقهم والتعدي لحدوده بجرأة وعدم مبالاة ، فنشأ عن هذا التمرد والطغيان أن كفروا بآيات اللَّه وقتلوا أنبياءه ، وباشروا تلك الكبائر بقلوب كالحجارة أو أشد قسوة .
والجملة الكريمة على هذا الرأي تفيد أن التردي في المعاصي ، وارتكاب ما نهى اللَّه عنه ، وتجاوز الحدود المشروعة ، يؤدى إلى الانتقال من صغير الذنوب إلى كبيرها ومن حقيرها إلى عظيمها لأن هؤلاء اليهود حين استمرؤا المعاصي ، هانت على نفوسهم الفضائل ، وانكسرت أمام شهواتهم كل المثل العليا فكذبوا بآيات اللَّه تكذيبا ، وقتلوا من جاءهم بالهدى ودين الحق .
وثانيهما : أن اسم الإشارة * ( ذلِكَ ) * في قوله * ( ذلِكَ بِما عَصَوْا ) * يعود إلى نفس المشار إليه باسم الإشارة الأول وهو قوله * ( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ ) * .
وتكون الحكمة في تكرار الإشارة هو تمييز المشار إليه ، حرصا على معرفته ، ويكون العصيان
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 390 .