فهذه الآية الكريمة تأكيد لما اشتملت عليه سابقتها من مداومة التقوى والطاعة اللَّه رب العالمين .
والاعتصام : افتعال من عصم وهو طلب ما يعصم أي يمنع من السقوط والوقوع .
وأصل الحبل : ما يشد به للارتقاء أو التدلي أو للنجاة من غرق أو نحوه ، أو للوصول إلى شيء معين .
والمراد بحبل اللَّه هنا : دينه أو عهده ، أو كتابه ، لأن التمسك بهذه الأشياء يوصل إلى النجاة والفلاح .
والمعنى : كونوا جميعا مستمسكين بكتاب اللَّه وبدينه وبعهوده ، ولا تتفرقوا كما كان شأنكم في الجاهلية بضرب بعضكم رقاب بعض ، بل عليكم أن تجتمعوا على طاعة اللَّه وأن تكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا . وبذلك تفوزون وتسعدون وتنتصرون على أعدائكم .
ففي الجملة الكريمة استعارة تمثيلية حيث شبه - سبحانه - الحالة الحاصلة من تمسك المؤمنين بدينه وبكتابه وبعهوده وبوحدة كلمتهم ، بالحالة الحاصلة من تمسك جماعة بحبل وثيق مأمون الانقطاع ألقى إليهم من منقذ لهم من غرق أو سقوط أو نحوهما .
وإضافة الحبل إلى اللَّه - تعالى - قرينة على هذا التمثيل .
وقوله * ( جَمِيعاً ) * حال من ضمير الجماعة في قوله * ( واعْتَصِمُوا ) * .
فالجملة الكريمة تأمر المسلمين جميعا أن يعتصموا بعهود اللَّه وبدينه . وبكتابه ، وأن يكونوا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ، وأن ينبذوا التفرق والاختلاف الذي يؤدى إلى ضعفهم وفشلهم .
قال الفخر الرازي عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : واعلم أن كل من يمشى على طريق دقيق يخاف أن ينزلق رجله ، فإنه إذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن من الخوف . ولا شك أن طريق الحق طريق دقيق ، وقد انزلقت أرجل كثير من الخلق عنه ، فمن اعتصم بدلائل اللَّه وبيناته فإنه يأمن من ذلك الخوف فكان المراد من الحبل هنا : كل شيء يمكن التوصل به إليه الحق في طريق الدين ، وهو أنواع كثيرة فمنهم من قال المراد به عهد اللَّه . .
ومنهم من قال المراد به القرآن ، فقد جاء في الحديث « هو حبل اللَّه المتين » ومنهم من قال المراد به طاعة اللَّه . . وهذه الأقوال كلها متقاربة والتحقيق ما ذكرنا من أنه لما كان النازل في البئر يعتصم بحبل تحرزا من السقوط فيها وكان كتاب اللَّه وعهده ودينه وطاعته وموافقته لجماعة
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 199
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص١٩٩