قال الفخر الرازي ما ملخصه : في اتصال هاتين الآيتين بما قبلهما وجوه :
الأول : أن المراد منهما الجواب عن شبهة أخرى من شبهات اليهود في إنكار نبوة محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وذلك لأنه لما حولت القبلة إلى الكعبة طعن اليهود في نبوته وقالوا : إن بيت المقدس أفضل من الكعبة وأحق بالاستقبال ، وذلك لأنه وضع قبل الكعبة وهو أرض المحشر ، وقبلة جملة الأنبياء ، وإذا كان كذلك كان تحويل القبلة إلى الكعبة باطلا ، فأجاب اللَّه عنه بقوله : * ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ) * فبين - سبحانه - أن الكعبة أفضل من بيت المقدس وأشرف فكان جعلها قبلة أولى » « 1 » .
والمراد بالأولية أنه أول بيت وضعه اللَّه لعبادته في الأرض ، وقيل المراد بها كونه أولا في الوضع وفي البناء ، ورووا في ذلك آثارا ليس فيها ما يعتمد عليه .
وبكة : لغة في مكة عند الأكثرين ، والباء والميم تعقب إحداهما الأخرى كثيرا ، ومنه النميط والنبيط فهما اسم لموضع . وقيل هما متغايران : فبكة موضع المسجد ومكة اسم البلد بأسرها .
وأصل كلمة بكة من البك وهو الازدحام . يقال تباك القوم إذا تزاحموا ، وكأنها سميت بذلك لازدحام الحجيج فيها . والبك أيضا دق العنق ، وكأنها سميت بكة لأن الجبابرة تندق أعناقهم إذا أرادوها بسوء . وقيل إنها مأخوذة من بكأت الناقة أو الشاة إذا قل لبنها ، وكأنها إنما سميت بذلك لقلة مائها وخصبها .
والمعنى : إن أول بيت وضعه اللَّه - تعالى - للناس في الأرض ليكون متعبدا لهم ، هو البيت الحرام الذي بمكة ، حيث يزدحم الناس أثناء طوافهم حوله ، وقد أتوا إليه رجالا وعلى كل ضامر من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم .
روى الشيخان عن أبي ذر قال : « قلت يا رسول اللَّه : أي مسجد وضع في الأرض أول ؟
قال : المسجد الحرام . قلت : ثم أي ؟ قال المسجد الأقصى . قلت : كم بينهما ؟ قال : أربعون سنة ، ثم قال : حيثما أدركتك الصلاة فصل . والأرض لك مسجد » « 2 » .
قالوا : وقد أشكل هذا الحديث على من لم يعرف المراد منه فقال : معلوم أن سليمان بن داود هو الذي بنى المسجد الأقصى ، والذي بنى المسجد الحرام هو إبراهيم وابنه إسماعيل ، وبينهما وبين سليمان أكثر من ألف سنة فكيف قال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : إن بين بناء المسجدين أربعين سنة !
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 151 .
( 2 ) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء ج 4 ص 197 ، وأخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة ج 2 ص 63 .