وسمى أول النهار وجها ، لأنه أول ما يواجهك منه ، وأول وقت ظهوره ووضوحه .
وقوله * ( واكْفُرُوا آخِرَه لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) * معطوف على * ( آمِنُوا ) * .
أي : آمنوا في أول النهار واكفروا في آخره ، بأن تعودوا إلى اليهودية ، أملا في أن ينخدع بحيلتكم هذه بعض المسلمين ، فيشكوا في دينهم ، ويعودوا إلى الكفر بعد دخولهم في الإسلام .
وقوله * ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) * كشف عن مقصدهم الخبيث ، وهو ابتغاؤهم رجوع بعض المؤمنين عن دينهم الحق إلى ما كانوا عليه من باطل .
قال الفخر الرازي : « والفائدة في إخبار اللَّه - تعالى - عن تواضعهم على هذه الحيلة من وجوه :
الأول : أن هذه الحيلة كانت مخفية فيما بينهم ، وما أطلعوا عليها أحدا من الأجانب ، فلما أخبر الرسول عنها كان ذلك إخبارا عن الغيب فيكون معجزا .
الثاني : أنه - تعالى - لما أطلع المؤمنين على تواطئهم على هذه الحيلة لم يحصل لهذه الحيلة أثر في قلوب المؤمنين ، ولولا هذا الإعلام لكان ربما أثرت هذه الحيلة في قلب بعض من كان في إيمانه ضعف .
الثالث : أن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة صار ذلك رادعا لهم عن الإقدام على أمثالها من الحيل والتلبيس » « 1 » .
ثم حكى - سبحانه - لونا من عصبيتهم وتعاونهم على الإثم والعدوان فقال تعالى :
* ( ولا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ، قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّه أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ ) * .
وقوله - سبحانه - حكاية عنهم * ( ولا تُؤْمِنُوا ) * معطوف على قوله - تعالى - في الآية السابقة * ( آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ ) * .
وقد فسر بعضهم * ( ولا تُؤْمِنُوا ) * بمعنى ولا تقروا ، أو ولا تعترفوا فتكون اللام في قوله * ( إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ) * أصلية .
وعليه يكون المعنى : أن بعض اليهود قد قالوا لبعض : أظهروا إسلامكم أول النهار واكفروا آخره ، لعل هذا العمل منكم يحمل بعض المسلمين على أن يتركوا دينهم الإسلام ، ويعودوا إلى ما كانوا عليه من الكفر ولم يكتفوا بهذا القول بل قالوا أيضا على سبيل المكر والخديعة ،
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 101 .