ثم وجه القرآن نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه ببذل أموالهم في سبيل الدفاع عن الحق ، حتى يكونوا أهلا لرضا اللَّه ومثوبته .
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 254 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيه ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ والْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 254 )
الخلة : الصداقة والمودة مأخوذة من تخلل الأسرار بين الصديقين ، وسميت بذلك لأنها تتخلل النفس أي تتوسطها ، أو لشدة الحاجة إليها . ومنه سمى الخليل خليلا لاحتياج الإنسان إليه .
والشفاعة مأخوذة من الشفع بمعنى الضم ، وتطلق على انضمام شخص إلى آخر لنفعه أو نصرته ، وأكثر ما تستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى ما هو دونه .
والمعنى : عليكم أيها المؤمنون أن تنفقوا في وجوه الخير كإعانة المجاهدين ومساعدة الفقراء والبائسين من أموالكم التي رزقكم اللَّه إياها بفضله وكرمه ، ومن قبل أن يأتي يوم القيامة الذي لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة حتى تقدموا عن طريقها ما تفتدون به أنفسكم ، ولا يكون فيه صديق يدفع عنكم ، ولا شفيع يشفع لكم فيحط من سيئاتكم إلا أن يأذن رب العالمين بالشفاعة تفضلا منه وكرما .
فالآية الكريمة تحض المؤمنين على الإنفاق في سبيل اللَّه ، لأنه أهم عناصر القوة في الأمة ، وأفضل وسيلة لإقامة المجتمع الصالح المتكافل .
والمراد بالإنفاق هنا ما يشمل الفرض والنفل ، والأمر لمطلق الطلب ، إلا أن هذا الطلب قد يصل إلى درجة الوجوب إذا نزلت بالأمة شدة لم تكف الزكاة عن دفعها .
وقوله : * ( مِمَّا رَزَقْناكُمْ ) * إشعار بأن هذا المال الذي بين أيدي الأغنياء ما هو إلا رزق رزقهم اللَّه إياه ، ونعمة أنعم بها عليهم ، فمن الواجب عليهم شكرها بألا يبخلوا بجزء منه على الإنفاق في وجوه الخير ، لأن هذا البخل سيعود عليهم بما يضرهم .
وفي قوله : * ( مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ ) * . . إلخ حث آخر على التعجيل بالإنفاق ، لأنه تذكير للناس بهذا الوقت الذي تنتهي فيه الأعمال ، ولا يمكن فيه استدراك ما فاتهم ، ولا تعويض
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 581
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٥٨١