تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 538

مساهمون:

ص٥٣٨
وقوله : * ( إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً ) * استثناء مما يدل عليه النهى لا تواعدوهن مواعدة ما إلا مواعدة معروفة غير منكرة شرعا ، وهي ما تكون بطريق التلويح والتعريض . وفي قوله سبحانه : * ( عَلِمَ اللَّه أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ) * بيان لما جبلت عليه النفس البشرية من ميل فطري بين الرجال والنساء ، والإسلام لا ينكر هذا الميل وإنما يهذبه ويقومه ويصقله بآدابه الحميدة ، وتعاليمه السامية . وقوله : * ( ولكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا ) * استدراك على محذوف دل عليه * ( سَتَذْكُرُونَهُنَّ ) * أي : فاذكروهن * ( ولكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا ) * . قال القرطبي ما ملخصه : واختلف العلماء في المراد بالسر في قوله - تعالى - : * ( ولكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا ) * فقيل معناه نكاحا ، أي لا يقل الرجل لهذه المعتدة تزوجيني بل يعرض إن أراد ، ولا يأخذ ميثاقها وعهدها ألا تنكح غيره في استسرار وخفية . هذا قول جمهور أهل العلم . و « سرّا » على هذا التأويل نصب على الحال أي مسرين - وسمى النكاح سرّا لأن مسببه الذي هو الوطء مما يسر - وقيل السر الزنا ، أي لا يكونن منكم مواعدة على الزنا في العدة ثم التزوج بعدها . أي لا تواعدوهن زنا . واختاره الطبري . ومنه قول الأعشى :
فلا تقربن جارة إن سرها عليك حرام فانكحن أو تأبدا
أي : « فتزوجها أو ابتعد عنها . وقيل السر الجماع » « 1 » . والذي تطمئن إليه النفس أن كلمة ( سرا ) صفة لموصوف محذوف أي لا تواعدهن وعدا سريا ، وأن النهى هنا منصب على كل مواعدة سرية ، يقال فيها كل ما ينهى عنه أو يستحيا منه في العلن ، لقبحه أو لأن أوانه لم يحن بعد ، إذ السرية أو الخلوة بين الرجل والمرأة لا تؤمن مزالقها . وفي الحديث الشريف أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما » « 2 » وأن المراد بقوله : * ( إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً ) * هو التعريض بالخطبة ، وإظهار المودة بطريقة لا تفضى إلى محرم . قال صاحب الكشاف في قوله : * ( إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً ) * وهو أن تعرّضوا ولا تصرحوا . فإن قلت بم يتعلق حرف الاستثناء ؟ قلت : بلا تواعدوهن . أي لا تواعدوهن مواعدة قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة : أي لا تواعدوهن إلا بالتعريض « 3 » . ثم قال - تعالى - : * ( ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَه ) * .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 3 ص 190 . ( 2 ) الترغيب والترهيب للمنذري ج 2 ص 38 . ( 3 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 284 .