ولا شك أنه يدخل في حكمها من حيث الحرمة ما كان مشابها لها في المخاطرة والرهان وأخذ الأموال بدون مقابل مشروع ، أو ضياعها فيما حرمه اللَّه .
ومعنى الآية الكريمة : يسألك أصحابك يا محمد عن حكم شرب الخمر ولعب الميسر ، قل لهم على سبيل الإرشاد والإعلام : في تعاطيهما * ( إِثْمٌ كَبِيرٌ ) * أي : ذنب عظيم ، وضرر شديد وذلك لما فيهما من القبائح المنافية لمحاسن الشرع من الكذب ، والأذى ، وشيوع العداوة والبغضاء بين الناس ، واستلاب أموالهم بغير حق .
وقوله : * ( ومَنافِعُ لِلنَّاسِ ) * أي وفيهما منافع دنيوية للناس إذ الخمر تدر على المتاجرين فيها أرباحا مالية ، والميسر يؤدى إلى إصابة بعض الناس للمال بدون تعب .
وأطلق - سبحانه - الإثم وقيد المنافع بأنها للناس ، للتنبيه على أن الإثم في الخمر والميسر ذاتي ، فهما في ذاتهما رجس كبير ، وخطر وبيل ، وأن ما فيهما من منافع ضئيل ولا يتجاوز بعض الناس ، فهي منافع خاصة وليست عامة ، ويشهد لهذا قوله - تعالى - بعد ذلك .
* ( وإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ) * أي أن المفاسد والاضرار التي تترتب على تعاطيهما ، أعظم من المنافع التي تنشأ عن تعاطيهما ، إذ تعاطيهما يؤدى إلى منفعة بعض الناس ، أما مضارهما فكثيرة ، من ذلك أن تعاطى الخمر يضعف الضمير ، ويفسد الأخلاق ، ويميت الحياء ، ويفقد الرشد ويتلف المال ، ويغرى بالتنازع بين الناس ، ويتسبب - كما قال الأطباء الثقاة - في كثير من الأمراض كأمراض الكبد والرئتين والقلب . . إلخ .
وإن شئت المزيد من معرفة مضار الخمر فراجع ما كتبه العلماء والمتخصصون في ذلك « 1 » .
أما تعاطى الميسر فمن مضاره - كما يقول الأستاذ الإمام محمد عبده - إفساد التربية بتعويد النفس الكسل ، وانتظار الرزق من الأسباب الوهمية ، وإضعاف القوة العقلية ، بترك الأعمال المفيدة في طرق الكسب الطبيعية ، وإهمال المقامرين للزراعة والتجارة والصناعة التي هي أركان العمران ، وتخريب البيوت فجأة بالانتقال من الغنى إلى الفقر في ساعة واحدة ، فكم من عشيرة كبيرة نشأت في العز والغنى وانحصرت ثروتها في رجل أضاعها عليها في ليلة واحدة فأصبحت غنية وأمست فقيرة » « 2 » .
إذن فالمنافع الدنيوية التي تعود إلى بعض الناس من تعاطى الخمر والميسر لا تساوى شيئا
هامش
( 1 ) راجع على سبيل المثال « تفسير الجواهر » في معنى الآية للمرحوم طنطاوي جوهري وتفسير المنار ج 2 ص 321 .
( 2 ) تفسير المنار ج 2 ص 230 .