تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 473

مساهمون:

ص٤٧٣
وقع التعبير عنهما أو عن أحدهما بلفظ التعريف لبطلت هذه الفائدة . فسبحان من له تحت كل كلمة من كلمات هذا الكتاب - بل تحت كل حرف منه - سر لطيف لا يهتدى إليه إلا أولو الألباب » « 1 » . ثم أخذ القرآن يعدد على المشركين جرائمهم التي كل جريمة منها أكبر من القتال في الشهر الحرام الذي فعله المؤمنون لدفع الضرر عن أنفسهم أو لجهلهم بالميقات فقال - تعالى - : * ( وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّه ، وكُفْرٌ بِه ، والْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، وإِخْراجُ أَهْلِه مِنْه أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّه ) * . أي : قل يا محمد لهؤلاء المشركين نحن نوافقكم على أن القتال في الشهر الحرام كبير ، ثم قل لهم أيضا على سبيل التوبيخ إن ما فعلتموه أنتم من صرفكم المسلمين عن طاعة اللَّه وعن الوصول إلى حرمه ، ومن شرككم باللَّه في بيته ، ومن إخراجكم لأهله منه أعظم وزرا عند اللَّه من القتال في الشهر الحرام . فالمقصود من هذه الجملة الكريمة إدخال الطمأنينة على قلوب المؤمنين بسبب ما وقع من عبد اللَّه بن جحش ومن معه ، وتبكيت المشركين على جرائمهم التي أولها يتمثل في قوله تعالى - : * ( وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّه ) * أي : منع من يريد الإسلام من دخوله ، وابتدأ - سبحانه - ببيان صدهم عن سبيله للإشارة إلى أنهم يعاندون الحق في ذاته . وثانيها قوله : * ( وكُفْرٌ بِه ) * أي : كفر باللَّه - تعالى - وهو معطوف على ما قبله . وثالثها قوله : * ( والْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) * وهو معطوف على سبيل اللَّه أي : وصد عن سبيل اللَّه وعن المسجد الحرام بمنعهم المؤمنين من الحج والاعتمار . ورابعها قوله : * ( وإِخْراجُ أَهْلِه مِنْه ) * أي : وإخراج النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وأصحابه من مستقرهم حول المسجد الحرام بمكة وهم القائمون بحقوقه ، كل ذلك « أكبر » جرما ، وأعظم إثما « عند اللَّه » من القتال في الشهر الحرام . قال الجمل : فقوله « أكبر » خبر عن الثلاثة أعنى : صد وكفر وإخراج وفيه حينئذ احتمالان : أحدهما : أن يكون خبرا عن المجموع . وثانيهما : أن يكون خبرا عنها باعتبار كل واحد كما تقول : زيد وبكر وعمرو أفضل من خالد أي : كل واحد منهم على انفراده أفضل من خالد ، وهذا هو الظاهر . والمفضل عليه محذوف أي : أكبر مما فعلته السرية » « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 32 . ( 2 ) تفسير الجمل ج 1 ص 173 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 473 | سيد محمد طنطاوي