قال الآلوسي : عن ابن جريج قال : سأل المؤمنون رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أين يضعون أموالهم فأنزل اللَّه - تعالى - قوله : * ( يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ ) * . الآية . وعن ابن عباس قال : كان عمرو بن الجموح شيخا كبيرا وعنده مال كثير فقال يا رسول اللَّه : بما ذا نتصدق ، وعلى من ننفق ؟ فنزلت الآية .
والمعنى : يسألك أصحابك يا محمد أي شيء ينفقونه من أصناف الأموال ؟ قل لهم :
ما أنفقتم من أموالكم فاجعلوه للوالدين قبل غيرهما ليكون أداء لحق تربيتهما ووفاء لبعض حقوقهما ، وللأقربين وفاء لحق القرابة والرحم ولليتامى لأنهم فقدوا الأب الحانى الذي يسد عوزهم ، والمساكين لفقرهم واحتياجهم ، وابن السبيل لأنه كالفقير لغيبة ماله وانقطاعه عن بلده .
قال الإمام الرازي : فهذا هو الترتيب الصحيح الذي رتبه اللَّه - تعالى - في كيفية الإنفاق .
ثم لما فصل هذا التفصيل الحسن الكامل أردفه بعد ذلك بالإجمال فقال : * ( وما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّه بِه عَلِيمٌ ) * أي : وكل ما فعلمتوه من خير إما مع هؤلاء المذكورين وإما مع غيرهم حسبة للَّه وطلبا لجزيل ثوابه وهربا من أليم عقابه فإن اللَّه به عليم فيجازيكم أحسن الجزاء عليه . . » « 1 » .
وظاهر الآية - كما يقول الآلوسي - أن السؤال عن المنفق فأجاب ببيان المصرف صريحا ، لأنه أهم لأن اعتداد النفقة باعتباره . وأشار - سبحانه - إجمالا إلى بيان المنفق فإن قوله * ( مِنْ خَيْرٍ ) * يتضمن كونه حلالا إذ لا يسمى ما عداه خيرا ، وإنما تعرض لذلك - أي لبيان المنفق عليه - وليس في السؤال ما يقتضيه ، لأن السؤال للتعلم لا للجدل ، وحق المعلم فيه أن يكون كطبيب رفيق يتحرى ما فيه الشفاء ، طلبه المريض أم لم يطلبه . ولما كانت حاجتهم إلى من ينفق عليه كحاجتهم إلى ما ينفق بين الأمرين ، ( وهذا كمن به صفراء فاستأذن طبيبا ، في أكل العسل فقال له : كله مع الخل ) . فالكلام إذا من أسلوب الحكيم . ويحتمل أن يكون في الكلام - أي في كلام السائلين - ذكر المصرف - أيضا - كما في سؤال عمرو بن الجموح إلا أنه لم يذكره في الآية للإيجاز في النظم تعويلا على الجواب ، فتكون الآية جوابا لأمرين مسؤول عنهما . والاقتصار في بيان المنفق على الإجمال من غير تعرض للتفصيل كما في بيان المصرف للإشارة إلى كون الثاني أهم . وهل تخرج الآية بذلك عن كونها من أسلوب الحكيم أولا ؟ قولان أشهرهما الثاني » « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 6 ص 26 .
( 2 ) تفسير الآلوسي ج 2 ص 105 .