تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد بينت صنفين من الناس أولهما : يمثل الأشرار . والثاني : يمثل الأخيار . أما الصنف الأول فقد وصفه اللَّه - تعالى - بخمس صفات ، الصفة الأولى حكاها في قوله : * ( ومِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُه فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) * . يعجبك : من الإعجاب بمعنى الاستحسان ، تقول . أعجبني هذا الشيء ، أي ، استحسنته وعظم في نفسي . و « من » للتبعيض . والمعنى : ومن الناس فريق يروقك منطقهم ، ويعجبك بيانهم ، ويحسن عندك مقالهم . فأنت معجب بكلامهم الحلو الظاهر ، المر الباطن ، وأنت في هذه الدنيا لأنك تأخذ الناس بظواهرهم ، أما في الآخرة فلن يعجبك أمرهم لأنهم ستنكشف حقائقهم أمام اللَّه الذي لا تخفى عليه خافية ، وسيعاقبهم عقابا أليما لإظهارهم القول الجميل وإخفائهم الفعل القبيح . وعلى هذا التفسير يكون قوله : * ( فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) * متعلقا بيعجبك . وبعضهم يجعل قوله * ( فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) * متعلقا بالقول فيكون المعنى عليه ومن الناس فريق يعجبك قولهم إذا ما تكلموا في شؤون الدنيا ومتعها لأنها منتهى آمالهم ، ومبلغ علمهم ، وأصل حبهم ، ومن أحب شيئا أجاد التعبير عنه ، أما الآخرة فهم لا يحسنون القول فيها ، لأنهم لا يهتمون بها ، بل هم غافلون عنها ، ومن شأن الغافل عن شيء ألا يحسن القول فيه . ويبدو لنا أن تعلق الجار والمجرور بيعجبك أرجح ، لأنه يتفق مع السياق إذ سياق الحديث في شأن الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ، ويخدعون الناس بمعسول بيانهم مع أن نفوسهم مريضة ، وليس في شأن الذين يحسنون الحديث عن شؤونها المختلفة ، بل إن بعض الذين يحسنون الحديث في شؤون الدنيا لم يضيعوا أخراهم وإنما عمروها بالعمل الصالح ، فهم جامعون بين حسنتى الدنيا والآخرة .