تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
أي ، منعتم بعد الإحرام من الوصول إلى البيت الحرام بسبب عدو أو مرض أو نحوهما ، فعليكم إذا أردتم التحلل من الإحرام أن تذبحوا ما تيسر لكم من الهدى . وبعض العلماء - كالشافعية والمالكية - يرون أن المراد بالإحصار في الآية ما كان بسبب عدو ، كما حدث للمسلمين في صلح الحديبية ، أما إذا كان الإحصار بسبب مرض ، فإن الحاج أو المعتمر يبقى على إحرامه حتى يبرأ من مرضه ثم يذهب إلى البيت فيطوف به سبعا ، ويسعى بين الصفا والمروة ، وبهذا يتحلل من عمرته أو حجه ، ولا يتحلل بالذبح ، إذ التحلل بالذبح عندهم لا يكون إلا في حالة الإحصار بسبب العدو . أما الأحناف فيرون أن الإحصار سواء أكان بسبب عدو أو مرض أو ما يشبههما فإنه يسيغ التحلل بالذبح ، إذ الآية عندهم تعم كل منع ، وعلى من أحصر أن يقضى الحج أو العمرة فيما بعد . وفي هذه الجملة الكريمة تقرير للمبادئ التي جاءت بها شريعة الإسلام تلك المبادئ التي تتوخى في كل شؤونها التيسير لا التعسير ، والرفق لا التشديد قال - تعالى - : يُرِيدُ اللَّه بِكُمُ الْيُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ « 1 » وقال - تعالى - : وما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ « 2 » . ثم قال - تعالى - : * ( ولا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّه ) * . حلق الرأس أو تقصيرها علامة على الانتهاء من الإحرام ، كما أن التسليم علامة الانتهاء من الصلاة ، أو علامة قطعهما عند الاضطرار إلى ذلك . والحلق بالنسبة للرجال أفضل من التقصير ، فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « اللهم اغفر للمحلقين . قالوا : يا رسول اللَّه وللمقصرين . قال : اللهم اغفر للمحلقين . قالوا : يا رسول اللَّه وللمقصرين . قال : وللمقصرين » « 3 » . أما بالنسبة للنساء فيكفي التقصير . والمحل : اسم لزمان الحلول أو مكانه . يقال : بلغ الدين محله إذا حل وقت أدائه ، كما يقال : بلغ الشخص محله إذا وصل إلى المكان الذي ينزل به . قال الآلوسي : وكون المراد بالمحل هنا المكان هو الظاهر في الآية . والمعنى : أتموا الحج والعمرة للَّه ، فإن منعتم من إتمامهما وأنتم محرمون فعليكم إذا أردتم التحلل أن تذبحوا ما تيسر لكم من الهدى ، ولا تتحللوا من إحرامكم بالحلق حتى تعلموا أن الهدى المبعوث قد بلغ مكانه الذي يجب أن يراق فيه دمه ، وهو الحرم .
هامش
( 1 ) سورة البقرة الآية 185 . ( 2 ) سورة الحج الآية 78 . ( 3 ) الترغيب والترهيب للمنذري ج 2 ص 208 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 420 | سيد محمد طنطاوي