وتعظيما لأمره وتأكيدا لمعنى الهداية كما تقول : عالم نحرير » « 1 » .
وقوله : * ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه ) * يصح أن يكون شهد بمعنى حضر . كما يقال :
فلان شهد بدرا ، وشهد المشاهد كلها مع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أي : حضرها ، فيكون المعنى : فمن حضر منكم دخول الشهر أو حلوله بأن كان مقيما وليس عنده ما يمنعه من الصوم كمرض ونحوه ، فليصمه لأن صيامه ركن من أركان الدين ، وعليه يكون لفظ « الشهر » منصوب على الظرفية .
ويصح أن يكون شهد بمعنى علم كقوله - تعالى - : شَهِدَ اللَّه أَنَّه لا إِله إِلَّا هُوَ .
فيكون المعنى : فمن علم منكم هلال الشهر وتيقن من ظهوره فليصمه .
وعليه يكون لفظ « الشهر » منصوب على أنه مفعول به بتقدير المضاف المحذوف و * ( مِنَ ) * موصولة أو شرطية وهو الأظهر و * ( مِنْكُمُ ) * في محل نصب على الحال من الضمير في شهد فيتعلق بمحذوف أي : كائنا منكم . والضمير في « منكم » يعود على الذين آمنوا ، أي كل من حضر منكم الشهر فليصمه و ( أل ) في الشهر للعهد .
وأعيد ذكر الرخصة في قوله - تعالى - ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ، لئلا يتوهم من تعظيم أمر الصوم في نفسه وأنه خير ، أنه قد صار متحتما بحيث لا تتناوله الرخصة بوجه من الوجوه أو تتناوله ولكنها مفضولة ، وفي ذلك عناية بأمر الرخصة وأنها محبوبة له - تعالى - وقوله - تعالى - : * ( يُرِيدُ اللَّه بِكُمُ الْيُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) * بيان لحكمة الرخصة .
أي : شرع لكم - سبحانه - الفطر في حالتي المرض والسفر ، لأنه يريد بكم اليسر والسهولة . ولا يريد بكم العسر والمشقة . قال - تعالى - : يُرِيدُ اللَّه أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وخُلِقَ الإِنْسانُ ضَعِيفاً وقال - تعالى - : ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وفي الصحيحين أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري حين بعثهما إلى اليمن : يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا ، وتطاوعا ولا تختلفا « .
وقوله - تعالى - : * ( ولِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللَّه عَلى ما هَداكُمْ ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) * معطوف على قوله : * ( يُرِيدُ اللَّه بِكُمُ الْيُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) * إذ هذه الجمل الأربع تعليل لما قبلها من قوله : * ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه ) * إلى قوله : * ( فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) * .
والمعنى : شرع لكم - سبحانه - ما شرع من أحكام الصيام ، ورخص لكم الفطر في حالتي
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 2 ص 61 .