مقصرين في أدائها ، بل يجب عليهم أن يؤدوها بقوة تفوق من سبقهم لأن الأمة الإسلامية قد وصفها سبحانه بأنها خير أمة أخرجت للناس وهذه الخيرية تقتضي منهم النشاط فيما كلفهم اللَّه بأدائه من عبادات .
وقوله : * ( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) * جملة تعليلية جيء بها لبيان حكمة مشروعية الصيام فكأنه - سبحانه - يقول لعباده المؤمنين : فرضنا عليكم الصيام كما فرضناه على الذين من قبلكم ، لعلكم بأدائكم لهذه الفريضة تنالون درجة التقوى والخشية من اللَّه ، وبذلك تكونون ممن رضى اللَّه عنهم ورضوا عنه . ولا شك أن هذه الفريضة ترتفع بصاحبها إلى أعلى عليين متى أداها بآدابها وشروطها ، ويكفى أن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قد قال في شأن الصوم : « الصوم جنة » « 1 » أي :
وقاية . إذ في الصوم وقاية من الوقوع في المعاصي ، ووقاية من عذاب الآخرة ، ووقاية من العلل والأمراض الناشئة عن الإفراط في تناول بعض الأطعمة والأشربة .
وقوله : * ( أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ ) * أي : معينات بالعد أو قليلات ، لأن القليل يسهل عده فيعد والكثير يؤخذ جزافا .
والمراد بهذه الأيام المعدودات شهر رمضان عند جمهور العلماء .
قالوا : وتقريره أنه - تعالى - قال أولا * ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ) * وهذا محتمل ليوم ويومين ثم بينه بقوله * ( أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ ) * فزال بعض الاحتمال ثم بينه بقوله : * ( شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيه الْقُرْآنُ ) * فعلى هذا الترتيب يمكن جعل الأيام المعدودات بعينها شهر رمضان ، وإذا أمكن ذلك فلا وجه لحمله على غيره « 2 » .
وإنما عبر عن رمضان بأيام وهي جمع قلة ووصف بمعدودات وهي جمع قلة - أيضا - تهوينا لأمره على المكلفين ، وإشعارا لهم بأن اللَّه - تعالى - ما فرض عليهم إلا ما هو في وسعهم وقدرتهم .
وقيل : إن المراد بالأيام المعدودات غير رمضان ، وذكروا أن المراد بها ثلاثة أيام من كل شهر وهي الأيام البيض الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر مضافا إليها يوم عاشوراء . ثم نسخ ذلك بوجوب صوم شهر رمضان .
والمعتمد بين المحققين من العلماء هو القول الأول ، لأنه - كما قال الإمام الرازي - لا وجه لحمله على غيره ، والقول بالنسخ زيادة لا دليل عليها .
هامش
( 1 ) قطعة من حديث رواه البخاري في كتاب الصوم ج 3 ص 31 .
( 2 ) تفسير الرازي ج 5 ص 78 .