تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
وختمت الآية بهذه الجملة التعليلية * ( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) * زيادة في إقناع نفوسهم بأمر القصاص ، أي : شرعنا لكم هذه الأحكام الحكيمة لتتقوا القتل حذرا من القصاص ، ولتعيشوا آمنين مطمئنين ، ومتوادين متحابين . وبهذا البيان الحكيم تكون الآيتان الكريمتان قد أرشدتا إلى ما يحمى النفوس ، ويحقن الدماء ، ويردع المعتدين عن الاعتداء ، ويغرس بين الناس معاني التسامح والإخاء ، ويقيم حياتهم على أساس من الرحمة والعدالة وحسن القضاء . وبعد أن بين - سبحانه - ما يتعلق بالقصاص أتبعه بالحديث عن الوصية ، ليرشد الناس إلى ما ينبغي أن تكون عليه ، وليبطل ما كان من عوائد الجاهلية من وصايا جائرة فقال - تعالى - : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 180 إلى 182 ] كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 180 ) فَمَنْ بَدَّلَه بَعْدَ ما سَمِعَه فَإِنَّما إِثْمُه عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَه إِنَّ اللَّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 181 ) فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْه إِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 182 ) وقوله - تعالى - : * ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ ) * قد استفاض في عرف الشرع بمعنى وجب عليكم . و « حضور الموت » يقع عند معاينة الإنسان للموت ولعجزه في هذا الوقت عن الإيصاء فسر بحضور أسبابه ، وظهور أماراته ، من نحو العلل المخوفة والهرم البالغ . وقد شاع عند العرب استعمال السبب كناية عن المسبب ، ومن ذلك قول شاعرهم :
يا أيها الراكب المزجى مطيته سائل بنى أسد ما هذه الصوت « 1 » وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا قولا يبرئكم إني أنا الموت
هامش
( 1 ) الصوت مذكر ، وقد أنثه الشاعر هنا لأنه أراد به الضوضاء والجلبة على معنى الصيحة - كما أفاده المعلق على القرطبي نقلا عن لسان العرب .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 374 | سيد محمد طنطاوي