منهم . وإن تقرب إلى شبرا تقربت إليه ذراعا . وإن تقرب إلى ذراعا تقربت إلى باعا . وإن أتاني يمشى أتيته هرولة « .
وروى مسلَّم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة : أنهما شهدا على النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنه قال :
لا يقعد قوم يذكرون اللَّه - تعالى - إلا حفتهم الملائكة ، وغشيتهم الرحمة ، ونزلت عليهم السكينة ، وذكرهم اللَّه فيمن عنده « .
قال الإمام النووي : واعلم أن فضيلة الذكر غير منحصرة في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحو ذلك ، بل كل عامل للَّه - تعالى - بطاعة فهو ذاكر للَّه - تعالى - .
وقوله - تعالى - : * ( واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ ) * معطوف على ما قبله .
والشكر في اللغة - كما يقول القرطبي - الظهور ، ومنه قولهم : دابة شكور إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف .
وحقيقته : عرفان الإحسان وإظهاره بالثناء على المحسن ، يقال شكره وشكر له كما يقال نصحه ونصح له .
وأصل الكفر في كلام العرب الستر والتغطية والجحود ، ويستعمل بمعنى عدم الإيمان فيتعدى بالباء فيقال : كفر باللَّه ، ويستعمل بمعنى عدم الشكر - وهو المراد هنا - فيتعدى بنفسه ، فيقال : كفر النعمة أي جحدها وكفر المنعم أي جحد نعمته ولم يقابلها بالشكر .
والمعنى : اشكروا لي ما أنعمت به عليكم من ضروب النعم ، بأن تستعملوا النعم فيما خلقت له ، وبأن تطيعوني في السر والعلن ، وحذار من أن تجحدوا إحسانى إليكم ، ونعمى عليكم فاسلبكم إياها .
قال - تعالى - : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ « 1 » .
وقدم - سبحانه - الأمر بالذكر على الأمر بالشكر ، لأن في الذكر اشتغالا بذاته - تعالى - ، وفي الشكر اشتغالا بنعمته ، والاشتغال بذاته أولى بالتقديم من الاشتغال بنعمته . وقوله * ( ولا تَكْفُرُونِ ) * تأكيد لقوله * ( واشْكُرُوا لِي ) * .
وهذا تحذير لهذه الأمة حتى لا تقع فيما وقع فيه بعض الأمم السابقة التي فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّه فَأَذاقَهَا اللَّه لِباسَ الْجُوعِ والْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ .
وبعد أن أمر - سبحانه - عباده بذكره وشكره ، وجه نداء إليهم بين لهم فيه ما يعينهم على ذلك ، كما بين لهم منزلة الشهداء ، وعاقبة الصابرين على البلاء فقال - تعالى - :
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم الآية 6 .