قوله تعالى : * ( ومَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِه نَفْسَه ) * معناه : لا أحد من الناس يكره ملة إبراهيم وينصرف عنها إلى الشرك باللَّه ، إلا من امتهن نفسه ، واستخف بها وظلمها بسوء رأيه حيث ترك طريق الحق إلى طريق الضلالة .
يقال رغب لي كذا إذا أراده ، ورغب عن كذا إذا كرهه وانصرفت عنه نفسه والملة في الأصل الطريقة ، وغلب إطلاقها على أصول الدين من حيث إن صاحبها يصل عن طريقها إلى دار السلام وسفه نفسه امتهنها واستخف بها .
ثم بين اللَّه - تعالى - منزلة نبيه إبراهيم - عليه السلام - وخطأ من يرغب عن طريقته المثلى فقال تعالى : * ( ولَقَدِ اصْطَفَيْناه فِي الدُّنْيا وإِنَّه فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) * أي : ولقد اخترناه للرسالة وهداية الناس وإرشادهم في الدنيا ، وإنه في الآخرة لمن الصالحين المستقيمين على الطريقة المثلى . فمن يرغب عن ملة من هذا شأنه إلى غيرها من طرق الضلال لا يماثله أحد في سفهه وسوء رأيه .
ثم بين اللَّه تعالى كمال استقامة إبراهيم التي رفعته إلى المنازل العليا فقال تعالى * ( إِذْ قالَ لَه رَبُّه أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ) * أي : اصطفى اللَّه - تعالى - إبراهيم لأنه أمره بطاعته وإسلام وجهه إليه في كل حال فبادر إلى الامتثال وقال * ( أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ) * أي : أخلصت ديني للَّه الذي فطر الخلق جميعا . كما حكى عنه القرآن الكريم نحو هذا القول في قوله تعالى :
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأَرْضَ حَنِيفاً وما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ .
وبعد أن بين اللَّه - تعالى - أن إبراهيم - عليه السلام - كان كاملا في نفسه ، أتبع ذلك ببيان أنه كان - أيضا - يعمل على تكميل غيره ، ودعوته إلى توحيد اللَّه تعالى . فقال - سبحانه - : * ( ووَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيه ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّه اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) * .
الضمير في « بها » يعود إلى الملة ذكرت قبل ذلك في قوله تعالى : * ( ومَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ ) * والمعنى : ووصى إبراهيم بنيه باتباع ملته ويعقوب كذلك أوصى بنيه باتباعها ، فقال
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 276
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٢٧٦