عند أول دخولها شكرا للَّه - تعالى - وقد فعل ذلك سعد بن أبي وقاص عندما دخل إيوان كسرى ، فقد ثبت أنه صلَّى بداخله ثماني ركعات .
ولكن ، ماذا كان من بني إسرائيل بعد أن أتم اللَّه لهم نعمة الفتح ؟
إنهم لم يفعلوا ما أمروا بفعله ، ولم يقولوا ما كلفوا بقوله ، بل خالفوا ما أمروا به من قول وفعل ، ولذا قال تعالى : * ( فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ) * .
أخرج البخاري عن أبي هريرة - رضي اللَّه عنه - عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنه قال : ( قيل لبنى إسرائيل : ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة فبدلوا ودخلوا يزحفون على أستاهم ، وقالوا : حبة في شعيرة ) « 1 » .
قال الإمام ابن كثير : ( وحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق ، أنهم بدلوا أمر اللَّه لهم من الخضوع بالقول والفعل ، فأمروا أن يدخلوا الباب سجدا ، فدخلوا يزحفون على أستاههم رافعين رؤسهم ، وأمروا أن يقولوا : حطة ، أي احطط عنا ذنوبنا وخطايانا فاستهزؤا وقالوا : حنطة في شعيرة ، وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة ، ولهذا أنزل اللَّه بهم بأسه وعذابه بفسقهم وخروجهم عن طاعته ) « 2 » .
فقوله تعالى : * ( فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ) * بيان للسبب الذي من أجله نزل عليهم العذاب ، وتوبيخ لهم على مخالفتهم أوامر اللَّه - تعالى - ، لأن تبديل الشيء معناه تغييره وإزالته عما كان عليه بإعطائه صورة تخالف التي كان عليها .
والفعل ( بدل ) يقتضى بدلا ومبدلا منه ، إلا أن مقام الإيجاز في الآية استدعى الاكتفاء بذكر البدل - وهو القول الذي لم يقل لهم - دون ذكر المبدل منه - وهو القول الذي قيل لهم - والتقدير : فاختار الذين ظلموا بالقول الذي أمرهم اللَّه به ، قولا آخر اخترعوه من عند أنفسهم على وجه المخالفة والعصيان .
قال صاحب الكشاف : * ( فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ) * أي : وضعوا مكان * ( حِطَّةٌ ) * قولا غيرها ، يعنى أنهم أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به ، ولم يمتثلوا أمر اللَّه ، وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه . وهو لفظ الحطة فجاؤوا بلفظ آخر ، لأنهم لو جاؤوا بلفظ آخر مستقل ، بمعنى ما أمروا به لم يؤاخذوا به كما لو قالوا مكان حطة : نستغفرك ونتوب إليك . أو اللهم اعف عنا وما أشبه ذلك » « 3 » .
هامش
( 1 ) صحيح البخاري . باب ( وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية ج 1 ص 22 .
( 2 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 99 .
( 3 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 218 .