وأمّا عند أهل الطريقة
( تعريف الإمامة عند أهل الطريقة )
( وأنّ الإمام هو القطب ) فالإمامة عندهم هي الخلافة من قبل اللَّه ، ومن القطب ( 136 ) الَّذي
هامش
( 136 ) قوله : القطب لا بأس في المقام بذكر بعض الكلمات في بيان « القطب » وتعريفه مزيدا للفائدة .
قال السيّد حيد الآملي في جامع الأسرار ص 380 :
« للنبوّة والولاية اعتباران : اعتبار الإطلاق واعتبار التقييد ، أي العام والخاصّ .
وامّا النّبوة المطلقة هي النبوّة الحاصلة في الأزل الباقية إلى الأبد كقول النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله « كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين » ، والنبوّة الأصليّة بالحقيقة هي عبارة عن اطَّلاع النّبيّ المخصوص بها على استعداد جميع الموجودات بحسب ذواتها وماهيّاتها وحقائقها ، وإعطاء كلّ ذي حقّ منها بلسان استعداداتها ، من حيث الإنباء الذاتي والتعليم الحقيقي الأزلي المسمّى بالربوبيّة العظمى والسلطنة الكبرى ، وصاحب هذا المقام هو الموسوم بالخليفة الأعظم وقطب الأقطاب والإنسان الكبير وآدم الحقيقي ، المعبّر عنه بالقلم الأعلى والعقل الأوّل والروح الأعظم وأمثال ذلك » . إلى أن قال ص 382 :
« وباطن هذه النبوّة هي الولاية المطلقة .
والولاية المطلقة هي عبارة عن حصول مجموع هذه الكلمات بحسب الباطن في الأزل وإبقائها إلى الأبد ، كقول أمير المؤمنين عليه السّلام : « كنت وليّا وآدم بين الماء والطين » . وكقول النبي صلَّى اللَّه عليه وآله : « أنا وعلي من نور واحد » . إلى آخره فراجع .
نقل القيصري في الفصل الثامن من المقدمة في « شرح الفصوص » عن الشيخ الأكبر أنّه قال في الفتوحات في بيان المقام القطبي :
« إن الكامل الَّذي أراد اللَّه أن يكون قطب العالم وخليفة للَّه فيه إذا وصل إلى العناصر ، مثلا متنزلا في السفر الثالث ، ينبغي أن يشاهد جميع ما يريد أن يدخل في الوجود من الأفراد الإنسانيّة إلى يوم القيامة ، وبذلك الشهود أيضا لا يستحقّ المقام حتّى يعلم مراتبهم أيضا » .
وقال في المصدر في الفصل التاسع :
« فالقطب الَّذي عليه مدار أحكام العالم ، وهو مركز دائرة الوجود من الأزل إلى الأبد واحد باعتبار حكم الوحدة وهو الحقيقة المحمّديّة صلَّى اللَّه عليه وآله .
وباعتبار حكم الكثرة متعدد ، وقبل انقطاع النبوّة قد يكون القائم بالمرتبة القطبيّة نبيّا ظاهرا كإبراهيم صلوات اللَّه عليه ، وقد يكون وليّا خفيّا كالخضر في زمان موسى عليهما السّلام قبل تحقّقه بالمقام القطبي .
وعند انقطاع النبوّة أعني نبوّة التشريع بإتمام دائرتها وظهور الولاية من الباطن ، انتقلت القطبيّة إلى الأولياء مطلقا ، فلا يزال في هذه المرتبة واحد منهم قائم في هذا المقام لينحفظ به هذا الترتيب والنظام .
قال سبحانه : * ( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ) * [ الرعد : 7 ] ، * ( وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ) * [ فاطر : 24 ] ، إلى أن ينختم بظهور خاتم الأولياء وهو الخاتم للولاية المطلقة ، فإذا أكملت هذه الدائرة أيضا وجب قيام الساعة باقتضاء الاسم الباطن » .
وقال ابن فارض في المقام : مشارق الدراري ص 412ومسجون حصر العصر لم ير ماورا
سجّينه في جنّة الأبديّةفبي دارت الأفلاك ، فأعجب لقطبها
المحيط بها ، والقطب مركز نقطةولا قطب قبلي ، عن ثلاث خلفته
وقطبيّة الأوتاد عن بدليّةقال الشيخ الأكبر في الفتوحات ج 1 ص 335 « الباب الثاني - الفصل الأوّل ، الجزء السابع » :
« فاعلم : أن هذه الحروف لمّا كانت مثل العالم المكلَّف الإنساني المشاركة له في الخطاب لا في التكليف ، دون غيره من العالم ، لقبولها جميع الحقائق كالإنسان ، وسائر العالم ليس كذلك ، فمنهم القطب كما منّا ، وهو الألف .
ومقام القطب منّا ، الحياة القيّوميّة ، هذا هو المقام الخاصّ به ، فإنه ( أعني القطب ) سار بهمته في جميع العالم ، كذلك الألف ( سار ) من كل وجه من وجه روحانيته الَّتي ندركها نحن ، ولا يدركها غيرنا ، ومن حيث سريانه نفسا ، من أقصى المخارج ، الَّذي هو مبعث النفس إلى آخر المنافس ، ويمتدّ في الهواء الخارج وأنت ساكت ، وهو الَّذي يسمّى الصدى . فتلك ( هي ) قيوميّة الألف » .
وقال في ج 2 ص 363 :
« وأمّا القطب الواحد فهو روح محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وهو الممدّ لجميع الأنبياء والرسل ، عليهما السّلام ، والأقطاب من حين النشء الإنساني إلى يوم القيامة ، قيل له صلَّى اللَّه عليه وآله : متى كنت نبيّا ؟
فقال صلَّى اللَّه عليه وآله : « كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين » . ولهذا الروح المحمّدي صلَّى اللَّه عليه وآله مظاهر في العالم » .
وقال في التجلَّيات الإلهيّة ص 298 :
إذا استوى ربّ العزّة على عرش اللطائف الإنسانيّة كما قال : « ما وسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي » ملك هذا العرش جميع اللطائف فتصرّف فيها وتحلَّم في ملكه ، ألا فهو القطب .
قال الشارح : الَّذي ( أي القطب ) هو صاحب الوقت ، بمعنى أن يكون الوقت له لا هو للوقت ، بيد أزمّة التدبير الأعم ، يتبع تدبيره علمه ، وعلمه شهوده ، وشهود القدر ، فهو قلب الكون .
قال شارح منازل السائرين التلمساني في شرح قول المؤلَّف الأنصاري :
« الفناء اضمحلال ما دون الحق علما ثمّ جحدا ثمّ حقا » ، في ص 570 هكذا بيانه :
« الحقّ تعالى إذا رقّى عبده بالتدريج نوّر باطنه وعقله في العلم ، فرأى أن لا فاعل في الحقيقة إلَّا اللَّه تعالى ، فهذا توحيد العلم ، ولا يقدر طول العلم على أكثر من هذا بأدلته وبراهينه ، ثمّ إذا رقّاه الحقّ تعالى عن هذا المقام أشهده عود أفعاله إلى صفاته ، وعود صفاته إلى ذاته فحجب وجود السوى بالكلَّيّة ، فهذا هو الاضمحلال جحدا ، ثمّ إن رقّاه الحقّ تعالى عن هذا المقام بأن أراه البحر الَّذي فيه أغرق الأفعال والأسمال والصفات ، فذلك هو الاضمحلال حقّا ، أي أراه الحقّ المبين ، فهذه مراتب الاضمحلال ، وليس ورائها إلَّا مبدأ السفر الثاني ، وهو الأخذ في البقاء حتّى يبلغ القطبيّة الكبرى » .
قال السيد المؤلف في « جامع الأسرار » ص 223 :
« والقطب ، والمعصوم ، أو القطب والإمام ، لفظان مترادفان ، صادقان على شخص واحد ، وهو خليفة اللَّه في أرضه ، كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام :
« اللهم بل لا تخلو الأرض من قائم للَّه بحججه ، أمّا ظاهرا مشهورا ، أو خافيا مغمورا » .
وقال أيضا فيه ص 420 :
« وينبغي أن يكون الخاتم للولاية أعلم الخلق باللَّه وأشرفهم بعد الختم النبوّة المطلقة ، كما أشار إليه الشيخ ( ابن العربي ) في فتوحاته في بيان المقام القطبي : « أن الكامل » ( إلى آخر ما ذكرناه آنفا ) .
قال محي الدين العربي في فصوص الحكم « فصّ شيثي » :
« إنّ الأعطيات إمّا ذاتيّة ، أو أسمائيّة ، فأمّا المنح والهبات والعطايا الذاتيّة فلا تكون أبدا إلَّا عن تجلَّي إلهي .
والتجلَّي من الذات لا يكون أبدا إلَّا بصورة استعداد المتجلَّى له ، غير ذلك لا يكون ، فإذا المتجلَّى له ما رأى سوى صورته في مرآة الحقّ ، وما رأى الحقّ ، ولا يمكن أن ، يراه مع علمه أنّه ما رأى صورته إلَّا فيه . . .
وهذا أعظم ما قدر عليه من العلم ، . . . وهذا هو أعلى عالم باللَّه ، وليس هذا العلم إلَّا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء ، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلَّا من مشكاة الرّسول الخاتم ، ولا يراه أحد من الأولياء إلَّا من مشكاة الوليّ الخاتم ، حتّى أنّ الرسل لا يرونه متى رأوه إلَّا من مشكاة خاتم الأولياء ، فإنّ الرسالة والنبوّة تنقطعان ، والولاية لا تنقطع أبدا . . .
فكلّ نبيّ من لدن آدم إلى آخر نبيّ ، ما منهم أحد يأخذ إلَّا من مشكاة خاتم النبيين ، وإن تأخّر وجود طينته ، فإنّه بحقيقته موجود ، وهو قوله صلَّى اللَّه عليه وآله : « كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين » . وغيره من الأنبياء ما كان نبيّا إلَّا حين بعث ، وكذلك خاتم الأولياء كان وليا وآدم بين الماء والطين » انتهى .
أقول : هذا كما قال صلَّى اللَّه عليه وآله : « أنا أول الأنبياء خلقا ، وآخرهم بعثا » ، علم اليقين ج 2 ص 457 .
وقال صلَّى اللَّه عليه وآله : « يا علي إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى » .
وقال علي عليه السّلام : « نحن صنائع اللَّه ، والناس صنائع لنا » ، [ نهج البلاغة : الكتاب 28 ] .
وقال علي عليه السّلام : « لو كشف الغطاء لما ازددت يقينا » .
وفي الزيارة الجامعة الواردة عن مولانا الإمام الرضا عليه السّلام :
« ذكركم في الذاكرين ، وأسماؤكم في الأسماء ، وأجسادكم في الأجساد ، وأرواحكم في الأرواح ، وأنفسكم في النفوس ، وآثاركم في الآثار ، وقبوركم في القبور » .
وقال الشيخ الأكبر أيضا في الفتوحات ج 3 ص 327 الباب السادس والستّون :
اعلم أيّدنا اللَّه أن للَّه خليفة يخرج ، وقد أملأت الأرض جورا وظلما ، فيملؤها قسطا وعدلا ، لو لم يبق من الدنيا إلَّا يوم واحد طوّل اللَّه ذلك اليوم حتّى يلي هذا الخليفة من عترة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ، من ولد فاطمة يواطئ اسمه اسم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ، جدّه اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله في خلقه ، وينزل عنه في الخلق ، لأنّه لا يكون أحد مثل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله في أخلاقه ، واللَّه يقول فيه : « وأنّك لعلى خلق عظيم » .
ينفخ الروح في الإسلام ، يعزّ الإسلام به بعد ذلَّه ، ويحيى بعد موته .
يظهر من الدين ما هو الدين الخالص ، ينزل عليه عيسى أبن مريم .ألا إنّ ختم الأولياء شهيد
وعين إمام العالمين فقيدهو السيّد ( القائم ) المهدي من آل أحمد
هو الصارم الهندي حين يبيدهو الشمس يجلو كلّ غمّ وظلمة
هو الوابل الوسمي حين يجودقال سبحانه وتعالى : * ( بِسْمِ اللَّه ِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَنْزَلْناه ُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) * .