وكذلك ، ( لذلك قالوا ) :
وَما مِنَّا إِلَّا لَه ُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [ سورة الصّافات : 164 ] .
وما من حادث يحدث اللَّه في العالم إلَّا وقد وكّل اللَّه بإجرائه ( ملائكة ) ملائكته ولكن بأمر هؤلاء من الملائكة كما منهم أيضا : الصّافات ، والزّجرات ، والتاليات ، والمقسمات ، والمرسلات ، والناشرات ، والنّازعات ، والناشطات ، والسّابقات ، والسّابحات ، والملقيات ، والمدبّرات ، ومع هذا ، فما يزالون تحت سلطان هؤلاء الولاة إلَّا الأرواح المهيّمة ، فهم خصائص اللَّه ومن دونهم ينفّذون أوامر اللَّه في خلقه .
ثمّ إن العامّة ما تشاهد إلَّا منازلهم ، والخاصّة يشهدونهم في منازلهم كما أيضا تشاهد العامّة أجرام الكواكب ، ولا تشاهد أعيان الحجّاب ولا النّقباء .
وجعل اللَّه في العالم العنصري خلقا من جنسهم ، فمنهم الرّسل ، والخلفاء ، والسّلاطين ، الملوك ، وولاة أمور العالم .
وجعل اللَّه بين أرواح هؤلاء الَّذين جعلهم اللَّه ولاة في الأرض ، من أهلها بينهم وبين هؤلاء الولاة في الأفلاك مناسبات ورقائق تمتدّ إليهم من هؤلاء الولاة بالعدل ، مطهرة من الشوائب مقدسة عن العيوب ، فتقبّل أرواح هؤلاء الولاة الأرضيين منهم بحسب استعداداتهم ، فمن كان استعداده قويّا حسنا قبل ذلك الأمر على صورته ظاهرا مظهرا ( طاهرا مطهرا ) ، فكان والي عدل وإمام فضل ، ومن كان استعداده رديّا قبل ذلك الأمر الظاهر ( طاهر ) وردّه إلى شكله من الرداءة والقبح فكان والي جور ونائب ظلم وبخل فلا يلومنّ إلَّا نفسه .
فقد أبنت لك سلطنة العالم العلويّ على العالم السّفلي ، وكيف رتّب اللَّه ملكه هذا الترتيب العجيب ، وما ذكرنا من ذلك إلَّا الأمّهات لا غير .
يقول اللَّه تعالى : وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها [ سورة فصّلت : 12 ] .
وقال : يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ [ سورة الطلاق : 12 ] .
ويكفي هذا القدر من هذا الباب ، واللَّه يقول الحقّ وهو يهدي السبيل ، واللَّه أعلم بالصّواب وإليه المرجع والمآب .
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 90
مساهمون: السيد حيدر الآملي
ص٩٠