ثمّ ضمّ البرودة إلى الرّطوبة فكان الماء البسيط وأظهر حكمه في ثلاثة أمكنة من الفلك الأقصى ، سمّي المكان الواحد السرطان ، وسمّي الآخر بالعقرب ، وسمّي الثّالث بالحوت ، فهذا تقسم فلك البروج على اثنى عشر قسما مفروضة تعيّنها الكواكب الثّمانية والعشرون ، وذلك بتقدير العزيز العليم .
فلمّا أحكم صنعتها وترتيبها وأدارها ، فظهر الوجود مرتوقا فأراد الحقّ فتقه ففصل بين السّماء والأرض ، كما قال تعالى :
كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما [ سورة الأنبياء : 30 ] .
أي ميّز بعضها عن بعض ، فأخذت السّماء علوا دخانا فحدث فيما بين السّماء والأرض ، ركنان من المركبات : الرّكن الواحد الماء المركّب ممّا يلي الأرض ، لأنّه بارد رطب فلم يكن له قوّة الصعود ، فبقى على الأرض تمسكه بما فيها من اليبوسة عليها .
والآخر النّار وهي أكرة الأثير ممّا يلي السّماء لأنّه حار يابس فلم يكن له طبع النّزول إلى الأرض فبقي ممّا يلي السّماء من أجل حرارته ، واليبوسة تمسكه هناك .
وحدث ما بين النّار والماء ركن الهواء من حرارة النّار ورطوبة الماء فلا يستطيع أن يلحق بالنّار ، فانّ ثقل الرّطوبة يمنعه أن يكون بحيث النّار وان طلبت الرّطوبة تنزله إلى أن يكون بحيث ( الماء ) تمنعه الحرارة من النّزول فلمّا تمانعا لم يبق إلَّا أن يكون بين الماء والنّار ، لأنّهما يتجاذبانه على السّواء ، فذلك المسمّى هواء ، فقد بان لك مراتب العناصر وماهيّتها ، ومن أين ظهرت وأصل الطبيعة .
( إنشاء اللَّه تعالى الإنسان من حيث الجسم )
ولمّا دارت الأفلاك ومخضت الأركان بما حملته ممّا ألقت فيها في هذا النكاح المعنوي ، وظهرت المولَّدات من كلّ ركن بحسب ما تقتضيه حقيقة ذلك الرّكن فظهرت أمم العالم وظهرت الحركة المنكوسة ( والحركة ) الأفقيّة ، فلمّا انتهى الحكم إلى السّنبلة ظهرت النشأة الإنسانيّة بتقدير العزيز العليم ، فأنشأ اللَّه عزّ وجلّ الإنسان من حيث جسمه خلقا سويّا وأعطاه الحركة المستقيمة ، وجعل اللَّه لها من الولاية في العالم