وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّه ُ لَهُنَّ سَبِيلًا وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما [ سورة النساء : 15 - 16 ] .
فكانت الثيّب إذا زنت في بدو الإسلام تمسّك في البيوت إلى الممات ، والبكر تؤذى بالكلام ونحوه بمقتضى هاتين الآيتين ، ثمّ نسخ ذلك في حقّ الثيّب بالرجم ، وفي حقّ البكر بالجلد والتعذيب بحكم السنّة ( 153 ) .
هامش
( 153 ) قوله : ثمّ نسخ ذلك .
الفاحشة ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال ، ويشتدّ قبحه من الذنوب والمعاصي ، والفخش في اللَّغة بمعنى الزّيادة والكثرة ، والتعدّي عمّا يعتاد ، فكلّ شيء جاوز قدره وحدّه فهو فاحش .
تطلق الفاحشة في القرآن على الزنا كما في قوله تعالى :
* ( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّه ُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا ) * [ سورة الإسراء : 32 ] .
وقوله تعالى :
* ( وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) * [ سورة النساء : 19 ] .
وتطلق على اللواط أيضا كما في قوله تعالى :
* ( وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِه ِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ) * [ سورة النمل : 54 ] .
فالفاحشة تعمّ السحق والزنا واللواط .
ومفهوم * ( وَنِساءَكُمْ ) * في الآية الكريمة غير ما يفهم من قولنا : من أزواجكم فالنساء غير الأزواج وإضافة « النساء » ب « كم » لا تدلّ على اختصاصها بالأزواج كما تشهد عليه الآيات التالية :
* ( فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ) * [ سورة آل عمران : 61 ] .
* ( قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ) * [ سورة الأعراف : 127 ] .
* ( قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَه ُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ ) * [ سورة غافر : 25 ] .
* ( يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ) * [ سورة البقرة : 49 ] .
فليس المقصود في الآية المذكورة خصوص الأزواج وهذا ظاهر .
فظهور الآية - مع غض النظر عن الأحاديث والأقوال والفتاوي - في أنّ « اللَّاتي » شاملة للمحصنة وغير المحصنة ، والثيّب وغيرها وذات البعل والباكرة ، فتختصّ الآية الأولى للنسوة ، وأمّا الآية الثانية فتشمل الرجال فقط ، فهي ظاهرة في اللواط وإن لا يبعد شمولها للزنا أيضا .
فنقول : إنّ الآيتين المذكورتين تبيّنان وظيفة المسلمين في قبال الَّذين ارتكبوا الفاحشة ، وهذا هو الَّذي حكمت به الآيتين وهذا الحكم باق مستمرّ إلى يوم القيامة لأنّه من ظهور الآيتين ، والظهور حجّة ما لم يكن هناك دليلا على خلافه ، وليعلم أنّ هذا الحكم من باب دفع المنكر ومنع المرتكب ، كما روى الطوسي بسند صحيح عن الإمام الصادق عليه السّلام قال : جاء رجل إلى رسول اللَّه ( ص ) فقال : إنّ أمّي لا تدفع يد لامس ، فقال : فاحبسها ، قال : قد فعلت ، قال : فامنع من يدخل عليها ، قال : قد فعلت ، قال : قيّدها فإنك لا تبرّها بشيء أفضل من أن تمنعها من محارم اللَّه عزّ وجلّ . الوسائل ج 18 ، ص 414 باب 48 من أبواب حدّ الزنا .
وأمّا حكم القاضي - بعد أن سلَّط عليهم - بالحد يعني الجلد أو القتل أو الرجم ، أمر آخر أجنبيّ عن هذا الحكم المستفاد من الآيتين ولا تداخل بينهما .
فالمخاطب بهذا الحكم يعني وجوب إمساك المرأة الَّتي ارتكبت الفاحشة في البيت حتّى يفرّج اللَّه عنها ، وإيذاء الرجل المرتكب للفاحشة حتّى يتوب ، المسلمون مطلقا يعني من يتعلَّق بالمرتكب .
فحكم الحدّ يجب أن يجري بيد الحاكم والقاضي ، وأمّا هذا الحكم فيجب أن يعمل به الزوج ، أو الوليّ أو الأسرة قبل أن يطلع القاضي أو الحاكم على ارتكاب الشخص العاصي الفاحشة .
وأمّا السّبيل فيحصل إمّا بالتوبة النصوح الصادقة الَّتي يؤمّن معها من ارتكاب الفاحشة مرّة ثانية ، وإمّا بخروج المرأة عن قابليّة ارتكاب الفاحشة لكبر سنّها ونحوه ، وإمّا بغير ذلك من الأسباب المؤمّنة من الارتكاب .
هذا ما يقتضيه ظهور الآيتين ، فالآيتان اجنبيّتان عن موضوع النسخ تماما ، وباقي الأبحاث المرتبطة موكول إلى الفقه .
وأمّا ما ورد من الرّوايات في أنّ الآية منسوخة فهي ضعاف لا يعتمد عليها فهي ما يلي :
ألف - روى الكليني محمّد بن يعقوب ، عن علي بن محمّد ، عن بعض أصحابه ، عن آدم ابن إسحاق ، عن عبد الرزّاق بن مهران ، عن الحسين بن ميمون ، عن محمّد بن سالم ، عن أبي جعفر عليه السّلام قال : - الحديث طويل - ( منه في تفسير السبيل ) قال : وسورة النّور أنزلت بعد سورة النساء وتصديق ذلك أنّ اللَّه عزّ وجلّ أنزل عليه في سورة النساء :
* ( وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّه ُ لَهُنَّ سَبِيلًا ) * . والسبيل الَّذي قال اللَّه عزّ وجلّ : * ( سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّه ِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّه ِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) * [ سورة النور : 1 و 2 ] أصول الكافي ج 2 ، ص 33 .
وفي سنده مع إرساله مجاهيل فلا يمكن الاعتماد عليه .
ب - ما رواه العياشي في تفسيره مرسلا ، ج 1 ، ص 227 في تفسير الآية الحديث 60 و 61 عن جابر ، عن أبي أبي جعفر ( ع ) في قول اللَّه تعالى : * ( وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ ) * إلى * ( سَبِيلًا ) * قال : منسوخة والسبيل هو الحدود .
وعن أبي بصير ، عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام ، قال : سألته عن هذه الآية * ( وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ ) * إلى * ( سَبِيلًا ) * [ قال ] : هذه منسوخة ، قال : قلت : كيف كانت ؟ قال : المرأة إذا فجرت فقام عليها أربعة شهود ، أدخلت بيتا ولم تحدث ولم تكلَّم ولم تجالس ، وأوتيت فيه بطعامها وشرابها حتّى تموت ، قلت : فقوله : * ( أَوْ يَجْعَلَ اللَّه ُ لَهُنَّ سَبِيلًا ) * قال : السبيل الجلد والرجم والإمساك في البيوت ، قال : قلت : قوله : * ( وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ ) * ؟ قال : يعني البكر إذا أتت الفاحشة الَّتي أتتها هذه الثيّب ، * ( فَآذُوهُما ) * قال تحبس ، * ( فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّه َ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً ) * .
وهذا الحديثان أيضا مرسلان كما هو ظاهر .
ج - ما رواه أبو عبد اللَّه محمّد بن إبراهيم بن جعفر النعماني ، عن أحمد بن محمّد بن سعيد ابن عقدة ، عن أحمد بن يوسف بن يعقوب الجعفي ، عن إسماعيل بن مهران ، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة ، عن أبيه ، عن إسماعيل بن جابر قال : سمعت أبا عبد اللَّه جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام يقول : . . . فكانت من شريعتهم في الجاهليّة أنّ المرأة إذا زنت حبست في بيت وأقيم بأودها حتّى يأتي الموت ، وإذا زنى الرّجل نفوه عن مجالسهم وشتموه وآذوه وعيّروه ولم يكونوا يعرفون غير هذا .
قال اللَّه تعالى في أوّل الإسلام : * ( وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ ) * - الآيتين .
فلمّا كثر المسلمون ، وقوي الإسلام ، واستوحشوا أمور الجاهليّة ، أنزل اللَّه تعالى :
* ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ) * إلى آخر الآية ، فنسخت هذه الآية آية الحبس والأذى . البحار ج 93 ، ص 1 .
في سند هذه الرواية أيضا مجهول وضعيف ومردّد ، فلا يعتمد عليها .
واللَّه العالم .