قيل له في ذلك فقال :
ما زلت ( اردّد ) اكرّر هذه الآية على قلبي حتّى سمعت ( سمعتها ) من المتكلَّم بها فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته .
ففي مثل هذه الدرجة تعظم الحلاوة ، وبهذا الترقّي يكون العبد ممتثلا لقوله تعالى :
فَفِرُّوا إِلَى اللَّه ِ [ سورة الذاريات : 50 ] .
وبمشاهدة المتكلَّم دون ما عداه يكون ممتثلا لقوله تعالى :
وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّه ِ إِلهاً آخَرَ [ سورة الذاريات : 51 ] .
فإنّ رؤية غير اللَّه معه شرك خفيّ لا مخلص منه إلَّا برؤيته وحده .
العاشر ، التبرّي
، والمراد به أن يبرأ من حوله وقوّته ولا يلتفت إلى نفسه بعين الرضا والتزكية ( فإذا تلا آيات الوعد ومدح الصالحين حذف نفسه عن درجة الاعتبار وشهد فيها الموقنين والصّديقين ، ويشوّق إلى أن يلحقه اللَّه تعالى بهم ) ، وإذا تلا آيات المقت والذمّ للمقصّرين شهد نفسه هناك وقدّر أنّه المخاطب خوفا وإشفاقا .
قيل ليوسف بن أسباط : إذا قرأت القرآن بما ذا تدعو ، قال : بما ذا أدعو أستغفر اللَّه عن تقصيري سبعين مرّة ، ومن رأى نفسه بصورة التقصير في القراءة كان ذلك سبب قربه ، فإنّ من شهد البعد في القرب لطف له بالخوف حتّى يسوقه إلى درجة أعلى في القرب ، ومن شهد القرب في البعد ردّه أمنه إلى درجة أدنى في البعد ممّا هو فيه ، ومهما شاهد نفسه بعين الرّضا صار محجوبا بنفسه ، فإذا جاوز حدّ الالتفات إلى نفسه ولم يشاهد إلَّا اللَّه في قراءته انكشف له الملكوت ، والمكاشفات تابعة لحال المكاشف ، فحيث يتلوا آيات الرجاء يغلب عليه استبشار وينكشف له صورة الجنّة فيشاهدها كأنّه يراها ، وإن غلب عليه الخوف كوشف بالنار حتّى يرى أنواع عذابها ، وذلك لأنّ