لكبرياء اللَّه وعظمته إطلاقا للفظ الملزوم على لازمه على أنّ السجود في اللغة هو الانقياد والخضوع كما مرّ .
إذا عرفت ذلك ، فنقول : يحتمل أن يكون قوله عليه السّلام : منهم سجود ، إشارة إلى مرتبة الملائكة المقربين لأنّ درجتهم أكمل درجات الملائكة فكانت نسبة عبادتهم وخضوعهم إلى خضوع من دونهم كنسبة خضوع السجود إلى خضوع الركوع .
فإن قلت : إنّه قد تقدّم أنّ الملائكة المقربين مبرّؤون عن تدبير الأجسام والتعلَّق بها فكيف يستقيم أن يكونوا من سكّان السّماوات ومن الأطوار الَّذين ملئت بهم .
قلت : إنّ علاقة الشّيء بالشيء وإضافته إليه يكفي فيها أدنى مناسبة بينهما ، والمناسبة هاهنا حاصلة بين الأجرام السماويّة وبين هذا الطور من الملائكة وهي مناسبة العلَّة للمعلول أو الشرط للمشروط ، فكما جاز أن ينسب الباري جلّ جلاله إلى الإختصاص بالعرش والاستواء عليه في لفظ القرآن الكريم مع تنزيهه تعالى وتقدّسه عن هذا الظَّاهر ، ولم يجز في الحكمة أن يكشف للخلق من عظمة الحقّ سبحانه أكثر من هذا القدر ، فكذلك جاز أن ينسب الملائكة المقربون إلى الكون في السّماوات بطريق الأولى وان تنزّهوا عن الأجسام وتدبيرها ، لأنّ عليّا عليه السّلام قاصد مقصد الرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، وقصد القرآن الكريم وناطق به ، فليس له أن يفصح بما تنبوا عنه الأفهام ، وباللَّه التوفيق .
وقوله : وركوع ، يشبه أن يكون إشارة إلى حملة العرش إذ كانوا أكمل ممّن دونهم فكانت نسبة عبادتهم إلى عبادة من دونهم كنسبة خضوع الركوع إلى خضوع الصفّ .
قوله : وصافّون ، يحتمل أن يكون إشارة إلى الملائكة الحافّين من حول العرش .
قيل : إنّهم يقفون صفوفا لأداء العبادة كما أخبر تعالى عنهم :
وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ [ سورة الصّافات : 165 ] .
وتحقيق ذلك ، أنّ لكلّ واحد منهم مرتبة معيّنة ودرجة معيّنة من الكمال يخصّه وتلك الدرجات باقية غير متغيّرة وذلك يشبه الصفوف .
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 236
مساهمون: السيد حيدر الآملي
ص٢٣٦