فخطَّ القلم في اللوح ما يلي عليه الحق وهو علمه في خلقه الَّذي يخلق إلى يوم القيامة .
فكان بين القلم واللوح نكاح معنوي معقول ، وأثر حسّي مشهود ، ومن هنا كان العمل بالحروف المرقومة عندنا ، وكان ما أودع في اللوح من الأثر مثل الماء الدافق الحاصل في رحم الأنثى ، وما ظهر من تلك الكتابة من المعاني المودعة في تلك الحروف الجرمية بمنزلة أرواح الأولاد المودعة في أجسامهم ، فافهم ، واللَّه يقول الحقّ وهو يهدي السبيل .
وجعل الحقّ في هذا اللوح العاقل عن اللَّه ما أوحى به إليه ، المسبّح بحمده الَّذي لا يفقه تسبيحه إلَّا من أعلمه اللَّه به وفتح سمعه لما يورده كما فتح سمع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، ومن حضر من أصحابه لإدراك تسبيح الحصى في كفّه الطَّاهرة الطَّيّبة صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، وإنّما قلنا : فتح سمعه ، إذ كان الحصى ما زال مذ خلقه اللَّه مسبّحا بحمده ، فكان خرق العادة في الإدراك السّمعي لا فيه .
ثمّ أوجد فيه صفتين : صفة علم ، وصفة عمل ، فبصفة العمل تظهر صور العالم عنه كما تظهر صورة التّابوت للعين عند عمل النجّار ، فبها يعطي الصّور ، والصّور على قسمين : صور ظاهرة حسّيّة وهي الأجرام وما يتّصل بها حسّا ، كالأشكال والألوان ، ( والأكوان ) ، وصور باطنة معنويّة غير محسوسة وهي ما فيها من العلوم والمعارف والإرادات وبتينك الصفتين ظهر ما ظهر من الصّور ، فالصّفة العلَّامة أب ، فإنّها المؤثّرة ، والصّفة العاملة أمّ ، فإنّها المؤثّر فيها ، وعنها ظهرت الصّور الَّتي ذكرناها .
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 123
مساهمون: السيد حيدر الآملي
ص١٢٣